بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس بين سيادة الدولة واستعمار الشاشة: حين يُعاد تشكيل الإنسان في مختبر السوق الرقمي

2026-02-14 89 قراءة مختلفات عماد عيساوي
كفى استهبالاً لهذا الشعب الذي أنهكته الخطب الخشبية والوعود البلاستيكية وكفى متاجرة بشعارات الحداثة حين تتحول إلى قناع رخيص يخفي خواءً استراتيجياً وعجزاً أخلاقياً.
ما تعيشه تونس اليوم ليس مجرد جدل اجتماعي حول أنماط حياة أو حرية فردية بل هو صراع على السيادة في أعمق مستوياتها: سيادة الدماغ، سيادة الخيال، سيادة الإرادة.
نحن لا نقف أمام ظاهرة عابرة بل أمام بنية متكاملة لإعادة تشكيل الإنسان التونسي بما يجعله أقل مقاومة أقل طموحاً و أقل قدرة على قول لا في وجه من ينهب ثرواته ويصادر قراره الوطني.
حين تُترك الحدود الرقمية سائبة لا بدعوى العجز بل تحت ذريعة الانفتاح فإن الدولة لا تمارس حياداً بل تمارس خياراً سياسياً كاملاً.
الفضاء الرقمي ليس ترفاً إنه الامتداد العصبي للدولة الحديثة ومن يفرط فيه يفرط في جهازه العصبي ذاته.
صناعة البورنوغرافيا العابرة للقارات لا تقوم على المتعة بقدر ما تقوم على هندسة الإدمان و على اقتصاد الدوبامين الذي يعيد برمجة المشابك العصبية في دماغ شاب في العشرين ليصير مستهلكاً مثالياً مفرغاً من طاقته التمردية مكتفياً بلذة افتراضية بديلة عن الفعل في الواقع.
هكذا يتحول الجسد إلى سوق ويتحول الخيال إلى مستعمرة ويغدو الإشباع اللحظي أداة سياسية بامتياز.
هذا هو الاستعمار البيولوجي في نسخته الجديدة
لا يحتاج إلى دبابات ولا إلى قواعد عسكرية، يكفيه هاتف ذكي وشبكة مفتوحة بلا حراسة.
إنه استعمار يستهدف الهرمونات قبل الحدود ويستثمر في الضعف الكيميائي قبل أن يستثمر في الضعف الاقتصادي. الشاب الذي يعتاد على الإثارة الفورية يفقد تدريجياً القدرة على الصبر، على البناء، على خوض معركة طويلة النفس من أجل وطن أفضل.
إننا اليوم أمام ناقوس خطر يهدد الوجود القيمي في مقتل حيث تحولت هذه المواقع إلى منصات ممنهجة لضرب الهوية وتفتيت الفطرة السوية.
لم يعد الأمر مجرد محاولات عابرة بل صار غزوًا فكريًا يروج للمثلية و الازدواجية وصولاً إلى جرائم يندى لها الجبين مثل مفاحشة القصر وتطبيع علاقات شاذة مثل الجنس الجماعي. ما يحدث هو محاولة بائسة لفرض التطبيع مع كل ما هو غير طبيعي أو مألوف حتى وصل الانحدار إلى الترويج للجنس مع الحيوانات في سقطة أخلاقية غير مسبوقة.
هذه كوارث حقيقية تعصف بمجتمعنا وتستهدف تدمير الهوية البشرية والإنسانية من جذورها لتمسخ جوهر الإنسان وتحيله إلى كائن بلا مرجعية أو قيم.
ومع كل جرعة رقمية رخيصة يُسحب من رصيده شيء من الإرادة حتى يصبح عاجزاً عن تصور مشروع كبير يتجاوز حدود الشاشة.
وفي الخلفية تتحرك منظومة كاملة من المنظمات غير الحكومية التي رفعت شعار الحقوق حتى حولته إلى سلعة معلبة.
ليس كل عمل مدني مشبوهاً ولكن حين يصبح التمويل الخارجي هو الرئة الوحيدة التي تتنفس منها هذه الكيانات وحين تصير أجنداتها متطابقة بشكل مريب مع مصالح عواصم بعينها فإن السؤال يصبح واجباً وطنياً لا ترفاً أيديولوجياً.
الدفاع الأعمى عن الحرية الرقمية دون أي حديث عن الأمن القومي أو عن حماية القاصرين أو عن الصحة النفسية هو انحياز صريح إلى السوق ضد المجتمع وإلى الممول ضد الدولة.
الأسرة بوصفها النواة الصلبة لأي مجتمع ليست مفهوماً رجعياً بل هي بنية استقرار. حين تُفكك هذه النواة عبر خطاب يختزل الإنسان في رغبة عابرة ويحوّل الهوية إلى مادة سائلة قابلة للتشكيل وفق أهواء السوق فإن المجتمع يتحول إلى كتلة هلامية يسهل قيادتها.
النيوليبرالية المتوحشة لا تريد مواطناً متماسكاً بل تريد فرداً معزولاً غارقاً في استهلاكه غير معني إلا بملذاته الفورية. عندها يصبح الحديث عن السيادة أو العدالة الاجتماعية صوتاً نشازاً في حفلة صاخبة من الإغراءات الرقمية.
ومن يظن أن الأمر يقف عند حدود المواقع السطحية فهو واهم.
العالم السفلي للشبكة بما يحمله من إمكانات للابتزاز وجمع البيانات الحساسة يشكل خطراً استراتيجياً حقيقياً.
كل أثر رقمي يتركه المستخدم قد يتحول في لحظة سياسية معينة إلى ورقة ضغط خصوصاً في دول تعاني هشاشة مؤسساتية وضعفاً في حماية المعطيات الشخصية.
الأمن القومي في العصر الرقمي لا يُختزل في مراقبة الحدود البرية بل يبدأ من حماية البيانات والسلوكيات والميول من أن تتحول إلى أدوات ابتزاز في لعبة أمم لا ترحم.
الدول التي تحترم نفسها فهمت هذه المعادلة باكراً.
الصين بنت جدارها الناري الكبير انطلاقاً من رؤية تعتبر الفضاء الرقمي امتداداً للسيادة وروسيا سعت إلى بناء استقلال شبكي يحمي قرارها الوطني من الضغوط الخارجية. قد نختلف أو نتفق مع هذه النماذج لكن الثابت أنها تعاملت مع الإنترنت كمسألة أمن قومي لا كحديقة عامة بلا حارس. أما في تونس فغالباً ما يُقدَّم العجز التقني كقدر محتوم بينما الحقيقة أن الإرادة السياسية هي الفيصل.
لا توجد استحالة تقنية مطلقة بل توجد كلفة سياسية يخشى البعض دفعها خشية غضب المانحين أو تقارير المنظمات الدولية.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إملاءات صندوق النقد الدولي ولا من تقارير خبراء عابرين بل يبدأ من تعريف واضح للمصلحة الوطنية.
حماية الفضاء الرقمي ليست حرباً على الحرية بل هي إعادة تعريف لها في سياق جماعي يوازن بين الحق الفردي ومسؤولية الدولة عن سلامة مجتمعها.
الحرية التي تفضي إلى تفكيك الإنسان ليست حرية بل فوضى مقنّعة.
المطلوب ليس رقابة عمياء ولا دولة بوليسية رقمية بل سياسة سيادية واضحة: تشريعات صارمة لحماية القاصرين استثمار حقيقي في التربية الرقمية و دعم للصحة النفسية وبناء بنية تحتية تكنولوجية تمنح الدولة قدرة فعلية على إدارة محتواها.
دون ذلك سنظل نراوح مكاننا بين خطاب أخلاقي مرتفع ونظام تقني هش، فيما تتسرب أجيال كاملة إلى فضاء بلا بوصلة.
التاريخ لا يرحم الدول التي تفرط في عقول أبنائها. السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد علم ونشيد، بل شبكة محمية، وبيانات مصونة، ووعي جماعي يقظ. إما أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن الفضاء الرقمي ساحة معركة حقيقية فنخوضها بوعي واستراتيجية أو نواصل إنكارنا حتى نصحو على وطن بلا مناعة، وشعب أنهكته لذة عابرة وسُلبت منه القدرة على الحلم الكبير.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال