ما يُسوَّق اليوم تحت لافتة القانون عدد 18 وما تلاه من موجات ترضيات لا أراه سوى محاولة مرتبكة لشراء هدنة اجتماعية قصيرة الأجل بثمن استراتيجي فادح.
مستقبل العقول التي ستدير هذا البلد بعد عقدين.
لستُ ضدّ التشغيل ولا ضدّ الانتداب بل أعتبرهما واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لكنني أرفض أن يتحوّل قطاع التعليم إلى صندوق امتصاص بطالة أو إلى آلية تعويض نفسي عن فشل سياسات تنموية أخرى.
التشغيل نعم ولكن عبر هندسة قطاعات جديدة و عبر فتح آفاق في الصناعة والتكنولوجيا والفلاحة الذكية والاقتصاد الإبداعي لا عبر تحميل المدرسة أوزار الدولة كلها.
لقد انزلقت الوزارة من دورها التاريخي كرافعة وعي وصانعة نخبة إلى وظيفة إسعافية تُشبه مكاتب التشغيل الاجتماعي. كأن المدرسة صارت تكية لإيواء ضحايا التعثر الاقتصادي بدل أن تكون مصنعًا للنخبة التي تُنقذ الاقتصاد نفسه.
هنا يكمن الخلل البنيوي،حين نستبدل فلسفة الانتقاء بفلسفة الطابور ونستبدل معيار الكفاءة بمعيار الأقدمية في الانتظار فإننا لا نحل أزمة بطالة بل نزرع أزمة جودة ستنفجر بعد سنوات في شكل انهيار معرفي شامل.
انظروا إلى تجارب تُذكر كثيرًا مثل سنغافورة أو فنلندا
هناك لا يدخل القسم إلا من خضع لأشدّ معايير الانتقاء صرامة وغالبًا من أعلى نسب التفوق الأكاديمي.
المعلم هناك ليس موظفًا عموميًا إضافيًا بل هو حارس العقد الحضاري للدولة لذلك تُبنى الثقة بين المجتمع والمدرسة على قاعدة التفوق لا على قاعدة التعويض الاجتماعي.
أما نحن فقد قلبنا المعادلة،نريد من التعليم أن يحلّ مشكلات سوق الشغل بدل أن نُصلح سوق الشغل ليحترم شروط التعليم.
هل يُعقل أن نراهن على أمن معرفي وقومي بمعلم انقطع لسنوات طويلة عن البحث والتكوين لا لذنب اقترفه بل لأن المنظومة الاقتصادية لفظته !!
ثم نعيد إدماجه دون إعادة تأهيل صارمة نفسية وبيداغوجية وعلمية؟
هذا ليس انتدابًا بقدر ما هو نقل للأزمة من فضاء اجتماعي إلى فضاء استراتيجي.
المدرسة ليست مخزنًا للترضيات لأنها إذا ضعفت انهارت كل القطاعات الأخرى تباعًا.
أكرر،لست ضدّ الإدماج بل أدعو إلى إدماج ذكي و إلى إعادة توجيه الطاقات نحو قطاعات منتجة جديدة و إلى بعث مشاريع وطنية كبرى تستوعب الكفاءات الشابة و إلى تكوين تكميلي حقيقي قبل أي إلحاق بالفصول الدراسية.
أما أن يتحوّل القسم إلى مساحة لتصفية الاحتقان الاجتماعي فذلك خطأ في هندسة الدولة نفسها.
تونس اليوم تقف على تخوم مفترق تاريخي.
الجمهورية التي تحترم نفسها تنتقي من سيصوغ عقول أبنائها بصرامة تكاد تكون قاسية لأن الخطأ في التعليم ليس خطأً إداريًا يُصحَّح بمنشور بل هو انحراف يتراكم جيلاً بعد جيل حتى يُصبح قدرًا.
ومن يعبث بهندسة العقول ولو بحسن نية إنما يكتب بيده مسودة تراجع طويل لا تمحوه القوانين المرتجلة ولا الخطب المطمئنة.
جمهورية الطابور: عندما تُذبح النخبة على مذبح الترضيات
2026-02-13
171 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال