بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جمهورية المظلات

2026-02-12 131 قراءة مختلفات عماد عيساوي
إننا لا نعيش في أوطان بمفهومها الحضاري أو السياسي المتجاوز بل نحن عالقون في جغرافيا منكسرة وفي مختبرات كولونيالية متجددة .
حيث تحولت العواصم العربية من منارات للعقل والنهضة إلى ثكنات بيروقراطية ومقاهٍ فارهة تُدار فيها أقدار الشعوب بعقلية الوسيط والمقاول لا بعقلية الزعيم أو المفكر الاستراتيجي، فالسلطة في هذه الرقعة الممتدة من المحيط إلى الخليج لم تعد عقداً اجتماعياً يفرزه العقل الجمعي
أو تفرضه الكفاءة الميدانية بل صارت هندسة ولاءات تُطبخ في الغرف المظلمة وفي أروقة السفارات التي تمنح صكوك الغفران السياسي لمن أتقن فن الانحناء.
فترى هؤلاء المسؤولين من وزراء وولاة ومحافظين يسقطون علينا بالمظلات من صالونات النخبة المخملية التي لا تعرف عن أوجاع الناس إلا ما تقرأه في تقارير أمنية جافة لنتأكد يوماً بعد يوم أن القيادة في وطننا العربي قد تم إخصاؤها استراتيجياً لتتحول إلى مجرد ديكور سياسي يؤدي فيه أنصاف الموهوبين أدوار البطولة الزائفة.
بينما يُحكم على العباقرة الحقيقيين والفلاسفة الذين يحملون المشروع النهضوي بالإعدام الصامت خلف أسوار الهوامش الجغرافية والاجتماعية.
فإذا لم تكن من سكان المربع الذهبي في القاهرة أو الرياض أو بيروت أو عواصم المغرب العربي، وإذا لم تكن تملك شيفرة الدخول إلى نوادي الأوليغارشية الحاكمة فأنت ببساطة منبوذ في وطنك غريب في دارك وممنوع من الظهور في
سيرك الإعلام الذي تحول إلى مفرخة للنجوم الكرتونية التي تلوك الكلمات المنمقة لتغطي على عورة الفشل البنيوي للدولة.
إن المأساة العربية تكمن في أن من يستحق القيادة لا يقود لأن شروط الزعامة قد تم تحريفها لتناسب مقاسات التابعين و الموظفين السامين الذين لا يملكون من الرؤية إلا ما يسمح به سيد القصر أو كاهن المعبد.
فحين تغيب المؤسسات الحقيقية ويُحطم العقل الذي يفكك اللامفكر فيه في بنية السلطة يبرز المثقف التلفزي الذي يبيع الأوهام للرعاع مقابل فتات من وجاهة اجتماعية زائفة
مما خلق فجوة سحيقة بين دولة الواجهة التي نراها في النشرات الإخبارية وبين دولة العمق التي تئن تحت وطأة التهميش في القرى المنسية وفي الجبال الوعرة وفي أحياء الصفيح التي تُعتبر في عرف المركز مجرد خزانات بشرية للاستهلاك أو للوقود الانتخابي المر.
فالفيلسوف الذي يسكن عمق الريف العربي والمفكر الذي يقرأ التاريخ بعيون المستقبل يُنظر إليهما كتهديد أمني أو نشاز فكري يجب إخراجه من الكادر الإعلامي خوفاً من أن يكشف إشعاعهم ظلامية النخب المصطنعة التي تحتكر القرار والمال والضوء.
فالدولة العربية اليوم تعاني من أنيميا حادة في الخيال ومن عجز وجودي عن استيعاب أن القيادة هي اشتباك مع التاريخ وليست مجرد الجلوس على كرسي وثير وتلقي التعليمات عبر الهاتف.
نحن نعيش زمن الرداءة المنظمة العابرة للحدود العربية حيث يتم اغتيال المثقف العضوي الذي يعجن فكره بتراب الأرض ويُستبدل بالخبير الاستراتيجي الذي يظهر مرتين في الأسبوع ليعيد تدوير الأكاذيب الرسمية في مشهد يكرس سيطرة الجغرافيا الملعونة التي تجعل من القرب من
مقاهي العاصمة معياراً وحيداً للنخبوية وكأن العقل العربي قد عقم عن إنجاب النوابغ خارج دائرة الحاشية.
مما أدى إلى تحويل أوطاننا إلى ضيعات خاصة تدار بعقلية القبيلة المتخفية تحت قناع الدولة الحديثة.
فكيف يمكن لعقل محنط في صالونات الترف أن يفهم نبض الشارع في أقاصي الصعيد أو في جبال اليمن أو في بوادي تونس والمغرب؟
إنهم لا يرون في الأطراف إلا هوامش غير مستحقة للقب النخبة بينما الحقيقة الصارخة هي أن النبض الحقيقي والعبقرية الفطرية تسكن هناك في تلك الأماكن التي يخاف المسؤولون من زيارتها إلا في مواكب أمنية معزولة.
إننا أمام إبادة معنوية ممنهجة لكل فكر حر يرفض التدجين وحيث يُحكم على من يملك المشروع بأن يظل منبوذاً ومطاردًا بشبح التهميش لأن السلطة في أوطاننا العربية تخاف من الوضوح وتعشق العتمة.
تخشى من الفلسفة التي تفتح العيون وتهوى الدجل الذي يغيب الوعي ولذلك نرى هذه الجيوش من الوزراء والمسؤولين الذين لا يملكون من أمرهم رشداً يتحركون كأحجار الشطرنج في رقعة يديرها لاعبون دوليون لا يظهرون في الصورة بينما يظل الزعماء الحقيقيون الذين لم تلوثهم أموال البترودولار ولا صفقات الغرف المظلمة غرباء في أوطانهم يرقبون بمرارة كيف تتحول الأحلام القومية إلى رماد وكيف تُباع السيادة في مزادات النخاسة السياسية تحت مسميات الواقعية و الاعتدال الذي لا يعني في حقيقته إلا الاستسلام للخراب.
إن سيكولوجية التبعية التي تحكم تعيين النخب العربية جعلت من الدولة مجرد هيكل عظمي يرقص على أنغام الفشل حيث يُشترط في المسؤول السامي أن يكون بيولوجياً موجوداً و عقلياً غائباً لينفذ أجندات لا تخدم إلا بقاء المنظومة الفاسدة.
بينما يُمنع أصحاب الإشعاع الفكري من الظهور الإعلامي بقرار سيادي غير مكتوب لأن وجودهم يعني فضح التقزم الذي يعيشه القادة.
فكيف يسمح نظام يقتات على الجهل بأن يتحدث عالم
أو فيلسوف يملك القدرة على تفكيك البنى العقلية القديمة؟ إنهم يفضلون المنبوذ الذي لا صوت له ويدفعون بالمفكرين نحو الانتحار المعنوي أو الهجرة القسرية ليخلو الجو
للغوغاء السياسية ولأبناء العائلات وللمقربين من
مقاهي النفوذ ليعبثوا بمصائر الشعوب في مشهد يكرس الطبقية الفكرية المقيتة التي تعتبر ابن الريف وابن المدينة البعيدة مجرد هامش ديموغرافي لا يستحق لقب النخبة مهما بلغ علمه.
وهذه هي الجريمة الكبرى التي تُرتكب في حق العقل العربي حيث يُدفن النبوغ في مهده ويُتوج الجهل على عرش السلطة لتظل أوطاننا تراوح مكانها في قاعة الانتظار التاريخية تقودها نخب الغبار التي لا تعرف من الانتماء إلا بريق المناصب ومن الوطن إلا ما يملأ جيوبها.
بينما يظل الزعيم الحقيقي هو ذلك المفكر المنبوذ الذي يرفض الانحناء لغير الحقيقة والذي سيظل رغم كل محاولات التغييب هو البوصلة الوحيدة المتبقية في هذا التيه العربي العظيم الذي لا مخرج منه إلا بتحطيم أصنام المركز ورد الاعتبار لعبقرية الهامش التي لا تخون ولا تهادن.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال