بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

خمسة كتاب أفذاذ وخمسة مؤلفات فذة

2026-02-12 87 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
من الصعوبة بمكان ... أن تجيب على سؤال أتعرض له شخصياً كثيراً من أصدقاء وقراء وطلابي. من هم أفضل الكتاب والأدباء والمفكرين الذين قرأت لهم، وما هي أفضل الكتب التي قرأتها. وهذه أسئلة معقدة جداً. وأني لأعتقد أنك حين تقرأ، لا ينبغي أن تتأثر باسم الكاتب ولا جنسيته، أو عمله يوافق هواك. فهذا سيحجب عنك بتقديري قدر كبير من الموضوعية.
وقبل ايام فكرت أن عدد مهم من الكتب التي تصنف بأنها ممتازة بل ومتميزة بقيمتها كتبها أدباء كبار، وفي جولة سريعة على أهم تلك الأعمال والعلماء :

أولاً : جورج سباين George Sabine
جورج سباين (George Holland Sabine) المولود في عام 1880، والمتوفي عام 1961، يمثل أبرز وأهم الأساتذة في تاريخ الفكر السياسي، درس الفكر السياسي في أهم الجامعات الأمريكية، ومنها جامعة كرونويل / بولاية نيويورك (New York ـ Cornell University)، وله مؤلفه الفذ " تاريخ الفكر السياسي (A History of Political Theory). وأصبح عميداً لكلية العلوم السياسية في جامعة كرونويل، كما أصبح نائباً لرئيس الجامعة نفسها. نشر هذا العمل الموسوعي الكبير لأول مرة عام نيسان /1937، في الولايات المتحدة الأمريكية.
ثم أن الكتاب ترجم إلى معظم لغات العالم، ومنها اللغة العربية، ترجم مرتين أو ثلاثة على الأقل .. (في مكتبتي ترجمتان لهذا الكتاب) ومنذ ذلك العهد وهذا العمل الكبير، هو مادة أساسية في تدريس الفكر السياسي في الجامعات عبر العالم، ولا أظن أن عالماً وأستاذاً للعوم السياسية لم يستفد بدرجة حاسمة من هذا الكتاب الموسوعي الكبير. سأنشر صورة لغلاف الكتاب في طبعتين، وأنصح كل الأخوة ممن يرغبون في فهم علمي دقيق لمادة الفكر السياسي، البحث هن هذا الكتاب، وهو ميسور في الانترنيت مجاناً، وأظن أنه متوفر في المكتبات أيضاً، وهذا من الكتب التي أنصح طلابي بقراءته بعمق واستيعاب، لأنه من الكتب المدرسية الهامة ومن أساسيات المادة (الفكر السياسي).

ثانياً : وليم شراير
وليم شراير (Willam Shirer) مؤلف كتاب (The Rise and Fall of the Third Reich)
بزوغ وسقوط الرايخ الثالث، وهو أمريكي الجنسية مولود في شيكاغو 23 / شباط/ 1904، وتوفي في بوسطن 28 / كانون الأول / 1993.
عمل وليم شراير كمؤرخ، وصحفي وناشر، ويعد شراير أحد أشهر الأمريكيين إطلاقاً منذ عهد الاستقلال وحتى عصرنا الراهن ممن عملوا في الصحافة أو في الحقل الدبلوماسي ولا سيما بمؤلفه الكبير والشهير عالمياً " بزوغ وسقوط الرايخ الثالث" وكتب أخرى ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية.
من يقرأ هذا الكتاب، يلاحظ بسهولة أن مؤلفه قد بذل جهداً خيالياً، في القراءة والاستماع، ومقابلة شخصيات، ودراسة أضابير وملفات، حتى قرأت أن المواد التي قرأها بلغت عشرات الأطنان ومن يقرأ الكتاب يعلم أن ليس مبالغة في الأمر، إضافة إلى سعة إطلاعه وثقافته، وربما هناك موظفين ساعدوه في إنجاز عمله في عصر لم يكن الكومبيوتر موجوداُ أو غير متاحاً.

ثالثا : أدغار سنو ــ ِEdgar Snow
في الثلاثينات من القرن المنصرم، صدر وأحد من الكتب، والذي يعد من المراجع الهامة في التاريخ السياسي الحديث، والكتاب هو بعنوان " النجم الأحمر فوق الصين " (Red Star over Cina) والمؤلف هو أدغار سنو (Edgar Snow) هو صحفي تقدمي أمريكي الجنسية، ذهب إلى الصين أبان ثورتها الاشتراكية (المسيرة الكبرى) بقيادة الحزب الشيوعي الصيني. وهدف رحلته كانت المساهمة بتقديم خدمات، وقد فعل ذلك على نحو سجلت إنجازاته تاريخياً، كما أنه تمكن من إقامة صلات صداقية / كفاحية مع القيادات التاريخية الصينية، وأنتج كتابه الذي أنتشر على مستوى عالمي، وأرجح أن الكتاب صدر للمرة الأولى باللغة العربية في نهاية الستينات، أو 1970. على أية حال قرأت الكتاب بإمعان أشبة بالدراسة عام 1971، وأعترف أنه بأسلوبه الرائع في عرض تفاصيل سياسية عن الثورة الصينية وتجاربها الثرية كان لها تأثيرها على ثقافتي السياسية آنذاك وكنا في مرحلة بعد 1967 نعيش في العراق والوطن العربي حالة ثورية فريدة.
سأتناول هنا فقرة اهتممت بها كثيراً، وكنت على إطلاع حسن بالثورة الصينية وبتطورها السياسي والفكري، بل وحتى على الأدب والموسيقى والمسرح الصيني، إذن كانت هناك مقدمات لا بأس بها لتفهم طروحات أدغار سنو في كتابه المهم. كان الحزب الشيوعي الصيني قد تحالف في إطار تحالف جبهوي وطني مع الجنرال تشان كاي تشيك (الذي كان قائداً مهماً في الكيان السياسي المسمى: الكومنتاج)، في سبيل تحرير البلاد من طغمة الأمراء والإقطاعيين، العملاء للقوى الأجنبية التي كانت تتخذ من الصين ملعبا لمؤامراتها من أجل وضع الصين ومقدراتها تحت هيمنة تلك القوى الاستعمارية.
ولكن تشان كاي شيك، غدر بالشيوعيين غدرا وضيعاً، وعرضهم لمجازر وإبادة، ليهيمن على حكم الصين كطاغية ديكتاتور، ولكن الحزب الشيوعي الصيني وكان يتسيد الموقف الاجتماعي بأعتباره حزب الفقراء والكادحين والعمال والفلاحين، وخاض نضالات صعبة من أجل تحقيق الحرية والاشتراكية، من خلال المسيرة الكبرى عبر قلب الصين الريفي / الفلاحي.
ولكن هنا تتدخل الأحداث التاريخية من خلال العدوان الياباني الواسع واحتلال الصين، ولجوء السلطة الوطنية / الديكتاتورية إلى القتال والمقاومة ضد العدوان الياباني. وهنا أصبحت هناك جبهتان تقاتلان العدو المحتل: نظام تشان كاي شيك من جهة، والحزب الشيوعي الصيني من جهة أخرى. وكان هذا التمزق وإن كانت له أسبابه التاريخية إلا أنه مضر بالنضال ضد الاحتلال، لذلك قامت فئة من الضباط الوطنيين في جيش السلطة، بأنقلاب عسكري وضعوا فيه تشان كاي شيك رهن الاعتقال وشكلوا وفداً للتفاوض من الحزب الشيوعي من أجل توحيد الجهود لمقارعة الاحتلال الياباني، وكان الشيوعيون واقعيا قد استحوذوا على المشهد السياسي والعسكري.
وهنا كانت المفاجأة الكبرى التي لم يتوقعها الضباط الانقلابيون الذي قاموا بعملهم من أجل التحالف مع الشيوعيين، تفاجأوا بأن الشيوعيين يطلبون منهم ضرورة وجود تشان كاي شيك على رأس التحالف من مواجهة صينية شاملة للعدو المشترك الياباني. قابل الضباط الأنقلابيون أحد قادة الحزب "شوان لاي" الذي طفق يتحدث للانقلابيين بلغة وطنية خالصة، لا مجال فيها مطلقا للمصالح السياسية الحزبية. أذهلهم بصدقة وإخلاصة للوطن والقضية، ولم يأت على ذكر كلمة واحدة المجازر التي تعرض لها الشيوعيون على أيد شان كاي شيك وزمرته وعصابات الكومنتاج.
أنتم تريدون الصين، وكذلك القائد شان كاي شيك، ونحن الحزب الشيوعي الصيني ... يجب أن تتحد قوانا لنثبت للشعب الصيني أولا أن حرية الصين هي الهدف الأول وسواه ثانوي ... نحن الشيوعيون نريد الصين وبدونه سيكون كل ما نفعله هراء لا معنى له ... فأين نقيم الاشتراكية والمجتمع العادل إذا كانت الصين محتلة ...؟ في الهواء لا يمكن تحقيق الثورات ... في الكتب وعلى الأوراق لن يتحقق شيئ ... كل طاقة مهما كانت صغيرة أو كبيرة يجب أن تصب في دولاب التحرير ....
هذا ما تم، وهكذا تحررت الصين، وهكذا غادر المسيرة المعادون للاشتراكية، هكذا أصبحت الصين اشتراكية ... بالحكمة والعقل قبل السلاح رغم توفره بكثرة بين أيديهم ... وقد أثبتوا ذلك .. أنهم قوة مسؤولة محترمة ... بعد التحرير وبعد أن أصبحت الصين قوة عالمية .. انتظرت مرور 100 عام حتى نفاذ اتفاقية هونغ كونغ ... لأن تعود هونغ كونغ للوطن الصيني ... والآن ربما بوسعهم استعادة جزيرة فرموزا (تايوان) خلال ساعات ... ولكنهم على العكس يوفرون لتايوان فرصة الالتحاق بالوطن طوعاً بدون حروب ودماء وأشلاء، أنها حكمة القوة، وقوة الحكماء.
العقلاء والمخلصين لقضايا شعوبهم يتوسلون كل وسيلة لخدمتها، أما المجانين والأغبياء فلا يستفيدون حتى من تجاربهم.

رابعاً : جون نيف John Neff
جون نيف : John Ulric Neff ، وعالم أمريكي ينبأ أصله عن جذور ألمانية، ولد عام 1899 في شيكاغو في الولايات المتحدة، وتوفي عام 1988 في واشنطن العاصمة. يعتبر مؤرخ اقتصادي في جامعة شيكاغو، ، ومنذ عام 1941 هو عضو في لجنة الفكر الاجتماعي.
درس في جامعة هارفارد، ثم نال شهادة الدكتوراه من معهد بروكينز في واشنطن، عمل في كلية سوارثمور، ثم عاد لجامعة شيكاغو عام 1929 كأستاذ مساعد في الاقتصاد، وعمل استاذا زائراً في جامعة فرنسية (معهد الدولة للعلوم السياسية)، ثم عمل في العديد من المراكز العلمية في مجال المجتمعات والتقدم البشري الثقافي والصناعي وأثر الصراعات والحروب منذ نهاية القرن 15.
في الثمانينات، تيسر لي قراءة عمله " الفذ الحرب والتقدم البشري "، دراسة في نشأة الحضارة الصناعية (War and Human Progress: An Essay on the Rise of Industrial Civilization) ، والكتاب نشر للمرة الأولى باللغة الانكليزية في نوفمبر / 1968، وعدد صفحاته 489 صفحة، وبلغات أخرى (منها الألمانية) وأعتقد أنه لقى تقريضا واسع النطاق حيثما عرض، لغزارة المعلومات ومتانة التحليل.
في العراق تمت ترجمة هذا الكتاب المهم، في دار المأمون (وزارة الاعلام)، وصدر بجزئين، وقد قرأته قراءة دقيقة، ويمكنني القول أنه من الكتب الممتازة التي تضيف الكثير لمن يقرأه. ومن خلال مراجعاتي علمت أن الكتاب يعتمد في الكثير من الجامعات في العالم كمصدر رئيسي.

خامساً : شارل ثاير
الدبلوماسي شارل ثاير، هو دبلوماسي أمريكي، ورغم شحة المعلومات عنه، يعتقد أنه خدم في وزارة الخارجية الأمريكية في الخمسينات والستينات، وأعتقد أنه بلغ مراتب متقدمة في السلك الدبلوماسي. (من بينها عمل قائما بالأعمال في سفارة بلاده في كابل / أفغانستان) مكنته من تأليف كتاب بعنوان " الدبلوماسي " شخصياً قرأته عام 1964، صادر عن دار الطليعة ببيروت، وترجمة شيخ المترجمين العرب خيري حماد. وأرجح أنه كان قد وضع الكتاب في الخمسينات من القرن الماضي.
يندر أن تجد كتاباً رصيناً جامعاً عن الدبلوماسية لا يعتمد في مصادرة على هذا الكتاب. كما أني في إطار عملي وبحوثي عن الدبلوماسية، وجدت أن هذا الكتاب موجود في معظم المعاهد الدبلوماسية في العالم، وفي مكتبات وزارات الخارجية كمصدر رئيسي. وشخصياً أعتقد أنه من أفضل الكتب التي صدرت في العالم عن الدبلوماسية وهي ليست بالكثيرة حتى باللغات الأجنبية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال