إننا نكابد اليوم خريفاً طويلاً من الأحقاد المتبادلة بين رعية لم تبلغ بعد سن الرشد المواطني ودولة لم تخلع عن جسدها المتيبس رداء الجباية القروسطي.
وهي علاقة مسمومة تضرب جذورها في عمق التاريخ التونسي حيث لم يكن المسؤول يوماً خادماً للمجال العام بل كان دائماً وكيل قهر يمثل المركز المتعالي ضد الأطراف المنهكة.
فمنذ العهد الحفصي الذي وضع حجر الأساس لبيروقراطية القصر المنفصلة عن نبض الفيفاء والقبائل تشكلت الدولة في مخيال التونسي ككائن هلامي مفترس يظهر في شكل عساكر يجمعون المحاصيل أو قضاة يبيعون الصكوك.
ولم تكن تونس الحاضرة في نظر سكان الدواخل سوى ثقب أسود يمتص الجهد ليعيده قصوراً وبذخاً.
هذا الاغتراب التاريخي تعمق مع المخزن الحسيني الذي حوّل الإدارة إلى عصابة شرعية تفرض المجبة على ظهور أناس لا يرون من الدولة سوى سوط الجلاد أو يد الجابي وما انتفاضة علي بن غذاهم في 1864 إلا الصرخة الكبرى التي أعلنت انكسار العقد الاجتماعي قبل ولادته.
حيث اكتشف التونسي أن المسؤول هو العدو الأول الذي يمهد الطريق للأجنبي عبر إغراق البلاد في الديون والتبعية. وجاء الاستعمار الفرنسي ليزيد الطين بلة إذ حوّل الإدارة إلى آلة تقنية باردة غريبة الوجه واليد واللسان.
فصار المرفق العام في وعي المواطن رزق الباي ليك (ملك للغير) يحق نهبه أو تعطيله كنوع من المقاومة السلبية وللأسف فإن دولة الاستقلال التي بشرت بالتحرر لم تفعل سوى تونسة القمع وتحديث أدوات الرقابة.
حيث تحول المسؤول من عامل الباي إلى كاتب عام
أو مدير يرتدي بذلة عصرية لكنه يحمل في جيناته تعالي الداي وغطرسة المستشار، لتصبح العلاقة بين المواطن ومن يمثله علاقة خديعة متبادلة، المواطن يمارس النفاق السياسي والمسؤول يمارس الاستعلاء البيروقراطي وكلاهما يتحرك في مساحة من عدم الثقة المطلقة التي حولت الإدارة إلى مقبرة للمبادرات والشارع إلى بركان من الغضب المكتوم. فنحن اليوم أمام دولة لا ترى في المواطن سوى رقم جبائي أو مشروع متمرد يجب تدجينه وأمام مواطن لا يرى في المسؤول سوى عقبة يجب الالتفاف عليها بالرشوة أو الواسطة.
وهذا السم الزعاف الذي يسري في عروق الدولة التونسية ليس نتاج اليوم بل هو تراكم لقرون من الحكم بالخوف لا بالحب وبالإقصاء لا بالمشاركة حتى وصلنا إلى هذه اللحظة السريالية التي ينهار فيها كل شيء بينما لا يزال المسؤول يخطب في الفراغ بلغة خشبية لا تطعم جائعاً ولا تشفي غليل مظلوم.
إنها مأساة وطن سجنته النخب في غيتوهات السلطة وتركت الشعب في منافي التهميش ليظل الحوار بينهما حوار صمّ في غرفة مشبعة بالغاز.
الكرسي في تونس لم يكن يوماً مجرد قطعة من الخشب والجلد لتصريف الشأن العام بل هو صنم سيكولوجي وتعويض ميتافيزيقي عن عقدة نقص تاريخية مزمنة تسكن وعي النخب التي تعاقبت على حكم هذه الرقعة الجغرافية المنهكة حيث يتحول المسؤول بمجرد ملامسة جسده لهذا العرش الصغير من كائن بشري بسيط إلى سادن لهيكل الدولة. يمارس نوعاً من النرجسية الوظيفية التي تجعله يرى في مكتبه حصناً يحميه من غوغاء الشارع لا جسراً يعبر من خلاله نحو المواطن.
وهذه السيكولوجيا الصنمية هي الوريث الشرعي لمنطق المماليك الذين حكموا تونس لقرون حيث كان القرب من الكرسي يعني القرب من الحياة والابتعاد عنه يعني الموت السياسي والاجتماعي.
لذا نجد المسؤول التونسي من مدير الإدارة الصغيرة إلى الوزير في عليائه يصاب بحالة من التكلس الشعوري تجعله يعتقد أن الكرسي جزء من تضاريس جسده فيسكنه ويسكن فيه محاطاً بهالة من البروتوكولات الخشبية التي تهدف أساساً إلى إشعار المواطن بضآلته وبرودته الوجودية أمام جلالة الإدارة.
إنها سيكولوجيا الحاجب الذي يمنع دخول النور لكي يظل هو المتحكم الوحيد في الظلال حيث يُبنى مجد المسؤول على قدرته على قول لا أو ارجع غدوة، لأن كلمة نعم بالنسبة له هي تنازل عن جزء من هيبته المتخيلة وتفريط في سلطة المنع التي يرى فيها جوهر قوته.
وهذا الانفصام جعل المسؤول يعيش في فقاعة من التقارير الكاذبة والولاءات المزيفة .
يخشى التغيير لأنه يهدد استقرار كرسيه ويكره الكفاءة لأنها تفضح عجزه فيتحول المرفق العام في ظل هذه العقلية إلى إقطاعية سيكولوجية تُدار بعقلية الوشاية والمحاباة بينما يظل المواطن في الخارج يرقب هذا المشهد السريالي بحقد متراكم يدرك من خلاله أن هذا المسؤول الذي يراه وراء البلور العازل ليس سوى موظف في التاريخ يكرر حركات البايات والدايات القدامى بروح منهزمة.
فالمسؤول في تونس لا يدير الأزمات بل يدير بقاءه الشخصي وهو في سبيل ذلك مستعد لأن يحول الدولة برمتها إلى مجرد حارس لكرسيه.
مما جعل السلطة في تونس لا تنتج سياسات بل تنتج أصناماً ورقية تتهاوى عند أول هبة ريح شعبية لأنها تفتقد للشرعية النفسية والارتباط العضوي بالتراب لتنتهي العلاقة دائماً بصدام حتمي بين كرسي متيبس و شارع ملتهب لا يرى في هذا الجالس خلف المكتب سوى عقبة تاريخية يجب كنسها لاستعادة كرامة الإنسان المسحوقة تحت أقدام البيروقراطية العمياء.
إن عملية الانتقال من دولة الكرسي المتربصة برعاياها إلى دولة الخدمة التي تخضع لسيادة المواطن لا يمكن أن تتم عبر مساحيق التجميل الإدارية أو الوعود الانتخابية المعسولة التي تذوب عند أول ملامسة لبرودة الواقع
بل تتطلب جراحة قيصرية في جسد العقل السياسي التونسي تبدأ بهدم الكهنوت البيروقراطي الذي استعبد الناس لقرون حيث لا بد من تحطيم تلك الأسوار الوهمية التي بناها المخزن حول نفسه عبر رقمنة شاملة وقاسية تقطع يد الوساطة وتلغي سطوة الموظف الإله الذي يتحكم في مصائر البشر بقرار أو إمضاء.
فالحل يبدأ بتجريد الكرسي من قدسيته وتحويله إلى مجرد منصة تقنية للمساءلة اللحظية حيث يصبح المسؤول عارياً أمام لغة الأرقام والنتائج لا مختبئاً خلف لغة الخشب والتقارير المرفوعة للرؤساء.
إننا بحاجة إلى انتحار طبقي للنخب الحاكمة التي يجب أن تتخلى عن امتيازات القرون الوسطى لتبني دولة القانون التي لا تفرق بين ابن المركز وابن الهامش.
وهي ثورة تتطلب إعادة هندسة جغرافية السلطة عبر لامركزية حقيقية ووحشية تنزع الدسم من العاصمة الغول وتعيد توزيع القرار والثروة على الجهات ليتوقف المواطن عن كونه متسولاً على أبواب الوزارات في تونس العاصمة ويتحول إلى شريك سيادي في إدارة شأنه المحلي.
إن بناء دولة الخدمة يمر حتماً عبر تفكيك سيكولوجيا الخوف لدى المواطن وتحويلها إلى ثقافة المحاسبة الشرسة حيث لا يكون المسؤول فوق النقد بل تحت المجهر
وحيث تُصاغ القوانين لتسهيل حياة الناس لا لعرقلتها تحت ذريعة هيبة الدولة التي لم تكن في تونس سوى غطاء لهيبة العصابة أو اللوبي.
إننا أمام حتمية تاريخية، إما أن نفتح النوافذ لنسمح لرياح العصر والشفافية بكنس غبار العهد الحفصي والحسيني وبقايا الدولة البوليسية أو أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الانهيارات التي تنتهي دائماً بانفجار الشارع في وجه كراسٍ لم تتعلم من التاريخ سوى كيف تلتصق بالأرض بينما يغرق الوطن.
فالحل ليس في تبديل الوجوه بل في تدمير المعبد القديم وبناء مؤسسات لا تموت بموت الأشخاص ولا تنحني أمام رغبات الحكام،.
مؤسسات تجعل من المسؤول مجرد خادم يتقاضى أجراً لينفذ إرادة شعب قرر أخيراً أن يخرج من ظلمات الرعية إلى أنوار المواطنة الكاملة والناجزة.
تحليل تاريخيّة العلاقة المسمومة بين المواطن و المسؤول في تونس
2026-02-08
202 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال