لم يكن خروج العرب من قلب الجزيرة في القرن السابع الميلادي مجرد هجرة قبائل جائعة نحو ضفاف الأنهار بل كان انفجاراً جيوسياسياً في لحظة كونية نادرة حيث كانت الإمبراطوريات العظمى من ساسان في الشرق إلى بيزنطة في الغرب تعيش خريفها الأخير وتترنح تحت وطأة الترهل الأخلاقي والجمود البنيوي.
فجاء العربي الذي صقلته الشمس وعلمته العزلة كيف يصغي لصوت السماء ليحمل معه المادة الخام لهذا الزلزال الجديد وهي مادة الوحي التي لم تكن مجرد نصوص دينية بل كانت نظام تشغيل سيادياً قادراً على صهر الهويات المتناثرة في بوطقة واحدة.
وهنا تبرز العبقرية العربية في تلك المرحلة التأسيسية كقوة دفع راديكالية حطمت جدران التاريخ القديم لتبني فوق أنقاضه فضاءً إنسانياً جديداً، فالعرب لم يقدموا للعالم آنذاك نظريات في الفيزياء أو الطب بل قدموا الإطار.الذي يمكن للعالم أن يفكر من خلاله، قدموا اللغة التي تحولت من لسان قبلي محدود إلى لغة عالمية قادرة على استيعاب الفلسفة والمنطق وقدموا تلك العصبية الروحية التي جعلت من راعي الإبل نداً لكسرى وقيصر وهي لحظة أنثروبولوجية مذهلة تم فيها تحويل البداوة من حالة برية إلى سيادة منظمة.
حيث كان العربي هو الجسد والروح هو القائد والمشرع وهو الذي وضع حجر الأساس لمختبر حضاري سيجذب إليه لاحقاً عقول العالم أجمع فالبداية كانت عربية بامتياز لا لأن العرب كانوا يمتلكون أدوات العلم التجريبي بل لأنهم كانوا يمتلكون سلطة الرمز و طهارة المنهج وقدرة مذهلة على اختراق الجغرافيا والنفوس مما جعلهم الرائدين الذين أشعلوا النار الأولى في ليل القرون الوسطى.
قبل أن تتحول هذه النار إلى مشكاة ضخمة سيساهم في تغذيتها كل من دخل هذا الدين من العجم الذين وجدوا في هذا الفضاء العربي الجديد ملاذاً لعقولهم المتعبة من قيود الكهنوت القديم لتبدأ من هنا ملحمة التفاعل الكيميائي بين الروح العربية الثائرة و العقل الأعجمي التواق للترتيب والتقنين في مشهد لا يمكن فهمه إلا كزواج بين الإلهام و المنطق وبين الصحراء و المدينة.
وهو ما جعل المرحلة الأولى من الإسلام مرحلة
السيادة العربية المطلقة التي مهدت بوعي أو بدون وعي لظهور النجوم الأعجمية التي ستسطع في سماء العلوم لاحقاً ليكون العرب هم الصرخة الأولى التي أيقظت العالم من سباته وهم المعماريون الذين رسموا حدود الخريطة قبل أن يملأ العجم تفاصيلها باللون والضوء والبرهان.
حينما سكنت عواصف الفتوح وهدأت صليل السيوف في فيافي الشام ووديان الرافدين بدأت تظهر في أفق الإمبراطورية الجديدة ملامح غزو من نوع آخر.
ليس غزواً بالخيل والبيارق بل هو غزو صامت بالدواة والقلم والعقل المنظّم حيث وجد العجم الذين ورثوا حضارات ساسان وفارس وبلاد ما وراء النهر أنفسهم داخل بيت عربي واسع لكنه يفتقر إلى القواعد المعمارية التي تضبط سيل الأفكار المتدفق فانبروا بميراثهم البيروقراطي والذهني المتراكم عبر آلاف السنين ليحولوا هذا الإسلام من
حالة وجدانية ومن سليقة بدوية إلى مؤسسة معرفية لا تغيب عنها الشمس.
ولم يكن تصدرهم للمشهد العلمي مجرد صدفة تاريخية أو تفوق عِرقي مجرد بل كان ضرورة سوسيولوجية ونفسية ملحة إذ وجد الموالي في العلم والتبحر في شؤون الدين واللغة العربية جواز مرور نحو السيادة الاجتماعية والسياسية التي احتكرها العرب بحد السيف فكان سيبويه الفارسي هو من وضع لجام القواعد للسان العربي المنطلق وكان البخاري ومسلم والترمذي وهم أبناء خرسان وبخارى هم من شيدوا حصون الذاكرة الإسلامية عبر تدوين السنة بمنهجية جراحية لم تعرفها البشرية من قبل حيث طبقوا صرامة العقل الغريب الذي يفتش في التفاصيل لكي لا يضيع الأصل محولين الحديث النبوي من روايات شفهية تتناقلها الصدور في مجالس العرب إلى منظومة علمية تخضع للجرح والتعديل والنقد البنيوي.
وفي هذا المخاض التاريخي المذهل استطاع العقل الأعجمي أن يروض الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي لخدمة النص القرآني فظهر ابن سينا والفارابي والخوارزمي كأعمدة كونية لم يكتفوا بنقل العلم بل أعادوا صياغة فيزياء الكون وجبر الأرقام بلغة الضاد مما خلق نوعاً من الاشتباك الحضاري الذي جعل من بغداد ونيسابور مراكز ثقل تفوق في بريقها العلمي حواضر الجزيرة العربية.
فالأعجمي لم يأتِ لينافس العربي في أصالته بل جاء ليمنح تلك الأصالة هيكلاً منظماً و ديمومة مؤسساتية.
وبذلك صار نجم العجم يسطع في سماء العلوم الطبيعية والدينية واللغوية بوهج يفوق أحياناً ضوء النجوم العربية التي كانت مشغولة بإدارة صراعات الحكم والسياسة فكانت تلك هي اللحظة التي تزاوجت فيها الروح العربيةالمندفعة
بالخبرة الأعجمية العميقة لينتج عن هذا التزاوج عصر ذهبي لم يكن ليرى النور لولا تلك السيمفونية التي عزفتها أصابع فارسية وتركية وسريانية على أوتار اللغة العربية محولين الإسلام من رسالة قومية إلى إمبراطورية للعقل البشري تتجاوز حدود الجغرافيا وضيق العرقيات.
لتصبح العبقرية الأعجمية هي المحرك النفاذ الذي دفع بسفينة الحضارة الإسلامية نحو آفاق لم يبلغها العقل البشري من قبل، مستثمرين في الفراغ التنظيري الذي تركه العرب خلفهم وهم يبنون القلاع ليملأه العجم بالمكتبات والمختبرات والمناهج التي لا تزال تحكم العقل المسلم حتى يومنا هذا.
بمجرد أن استقرت الدولة واتسعت رقعة الإمبراطورية لتشمل بقاعاً كانت يوماً مهداً لأديان وفلسفات غارقة في القدم لم يعد العقل المسلم يكتفي بظواهر النصوص وحدود الأحكام الفقهية بل بدأت تتشكل في أعماقه رغبة جامحة للغوص في الميتافيزيقا وفي عوالم النفس المظلمة والمضيئة على حد سواء وهنا تجلى الفارق الجوهري بين الزهد العربي الذي كان في بداياته حالة من البساطة النبوية والتقشف الأخلاقي النابع من رهبة الموقف بين يدي الخالق وبين
التصوف العرفاني الذي صاغته العبقرية الأعجمية محولةً إياه إلى منظومة فلسفية كونية باذخة.
فالإنسان العربي في الصحراء كان يعيش صلته بالله كعلاقة مباشرة عمودية تتسم بالوضوح والصدق العفوي والنفور من التجريد بينما جاء العقل الأعجمي محملاً بإرث من التأملات الهندية والفلسفات الأفلاطونية المحدثة والإشراقات الفارسية ليقوم بعملية تشريح روحي للوجدان المسلم.
محولاً الخوف من الله إلى حب في الله، والزهد في المأكل والمشرب إلى فناء في الذات الإلهية، فظهرت أسماء مثل الحلاج والبسطامي وجلال الدين الرومي كمهندسين للروح لا يكتفون بالصلاة كطقس بل يبحثون عنها كمعراج
ولم يكن هذا الانتقال مجرد ترف فكري بل كان استجابة لسيكولوجية الإنسان المستقر في الحواضر الكبرى الذي لم يعد يكتفي بالجهاد في الثغور بل أراد الجهاد الأكبر في دهاليز الذات وفي هذا الفصل من الملحمة الحضارية تزاوج المنطق الأرسطي الذي هذبه الفلاسفة العجم مثل ابن سينا والفارابي مع الأشواق الروحية.
لينتج لنا ما يمكن تسميته بالعقل العرفاني الذي لا يرى في الكون مجرد مادة بل يراه تجلياً للحق.
ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا التصوف الأعجمي في منشئه وتنظيره قد وجد في اللغة العربية
القالب المقدس والوحيد القادر على استيعاب تلك الشطحات والومضات.
فكان العربي يقدم النص وكان الأعجمي يقدم التأويل
وكان العربي يقدم الشرع بينما يقدم الأعجمي الحقيقة
مما خلق حالة من التوازن القلق والمبدع بين الظاهر والباطن حيث لم يعد الإسلام مجرد تشريع ينظم حياة الجسد بل صار فلسفة متكاملة تفسر الوجود وترسم خرائط الطريق نحو المطلق.
وهي المرحلة التي شهدت تحول المسجد من مكان للصلاة فقط إلى أكاديمية للبحث في النفس البشرية.
حيث امتزجت دقة الفيلسوف بوجد الصوفي
ليصنع العجم من مادة الإسلام البسيطة قصراً روحياً شاهقاً تلاقت فيه السماء بالأرض في سيمفونية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً .
حيث صار الغريب الأعجمي هو من يفسر للعربي أسرار لغته وبواطن دينه في مشهد يؤكد أن الروح لا تعرف العرقيات وأن الإبداع الحقيقي لا ينفجر إلا حين يلتقي البيان العربي
بالبرهان العرفاني في لحظة تجلٍّ تاريخية غيرت وجه الحضارة الإنسانية إلى الأبد.
لم يكن السقوط الكبير الذي شهده العالم الإسلامي مجرد انكسار عسكري أمام جحافل المغول في الشرق أو سقوط قلاع الأندلس في الغرب بل كان في جوهره انكساراً بنيوياً في ذلك العقد السري الذي ربط الروح العربية بالعقل الأعجمي لقرون طويلة.
حيث دخلت الحضارة في طور التكلس حين انفصلت السياسة عن المعرفة وتحول الحاكم من راعي إبداع إلى سلطان ضرورة لا يهمه من الدين إلا شرعنة بقائه
ومن العلم إلا ما يخدم آلته الحربية.
فبدأ العقل الأعجمي الذي كان يوماً يغزو الآفاق بالفلسفة والطب ينكفئ على نفسه غارقاً في شروح الشروح وحواشي المتون في سيكولوجية دفاعية يائسة لحماية الهوية من الاندثار وسط بحر من الفوضى السياسية.
بينما انزوى العربي في نوستالجيا ماضيه المجيد مكتفياً بفخر النسب بعد أن فقد زمام المبادرة في صياغة الحاضر. وهذا السبات الذي دام قروناً لم يكن موتاً بقدر ما كان
بياتاً شتوياً لعقل فقد بوصلته حين فقد لغته الحية.
حيث تحولت العربية من لغة اختراع واكتشاف إلى لغة طقوس جامدة.
مما أفسح المجال للنموذج الغربي ليأخذ بذورنا التي زرعناها في عصر النهضة وينبتها في أرضه بعيداً عن قيمنا وروحنا واليوم ونحن نقف على تخوم الثورة الصناعية الرابعة وعصر الذكاء الاصطناعي يجد العقل المسلم نفسه عرباً وعجماً أمام لحظة الحقيقة العارية.
فإما الاستمرار في دور المستهلك التابع الذي يعيش على فضلات التقنية الغربية أو إحياء ذلك الاندماج العظيم
الذي صنع بغداد وقرطبة.
فالنهضة القادمة لن تبدأ من استعادة الماضي بل من استعمار المستقبل بأدوات العصر.
وهذا يتطلب ثورة في المنطق الفقهي ليتصالح مع الخوارزميات وثورة في الروح العرفانية لتمتص قلق الإنسان الرقمي.
إننا نحتاج اليوم إلى عقل أعجمي بتقنيته و عربي ببيانه وقيمه ليعيد تعريف الإنسان في عصر الآلة.
فالسيادة القادمة لن تكون لمن يملك السيف بل لمن يملك الكود الأخلاقي والمعرفي الذي يوجه هذا الذكاء الاصطناعي نحو عمارة الأرض لا دمارها.
إنها دعوة لبعث العبقرية المشتركة من جديد حيث لا فضل لعربي على أعجمي إلا بقدر ما يقدمه لهذا المختبر الكوني من إبداع ينقذ البشرية من تيهها المادي.
ليكون مانيفيستو لجيل جديد يدرك أن شمس الحضارة لا تشرق إلا حين يلتقي النص الصادق بالعقل الحر
وحين تتحول الذكرى إلى قوة دفع نحو آفاق لم تطأها قدم من قبل لنعلن للعالم أن النجم لم ينطفئ بل كان يجمع ضوءه لينفجر في نهضة ثالثة تعيد للكون توازنه الروحي والعقلي المفقود.
البيان والبرهان: رحلة العقل المسلم من نار الفتوح إلى مشكاة الرقمنة
2026-02-07
98 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال