بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جورج عدّة: المنسيُّ الذي أضاء عتمة الهويات تفكيك سردية المواطنة والالتزام في مسيرة المناضل الذي رفض الاستثناء

2026-02-06 27 قراءة مختلفات عماد عيساوي
ملخص البحث
يسعى هذا المقال إلى استجلاء الملامح الفكرية والنضالية لشخصية جورج عدّة (1916-2008)، بوصفه علامة فارقة في تاريخ الحركة الوطنية والتونسية. من خلال تتبع مسيرته، ننتقل من دراسة "الأقلية" ككيان معزول إلى دراسة "المواطنة" كفعل انخراط كلي. يتناول المقال جدلية الانتماء لدى عدّة، وكيف استطاع تفكيك الروابط التقليدية (الدين، العرق) لصالح روابط أيديولوجية وإنسانية (الطبقة، الوطن)، مع التركيز على موقفه الجذري من الصهيونية وصراعه مع شمولية الدولة الوطنية.

الاستهلال: ولادة في مهبّ التحولات الكبرى
في محراب التاريخ، حيث تُنسج الهويات من خيوط الدم والتراب والأساطير، يبرز جورج عدّة كعلامة فارقة في ذاكرة الأمم التي لا تفتأ تُعيد صياغة أبطالها وفق مقاسات السلطة. يظل هو عصياً على الترويض، كائناً لم يصنعه أحد بل نحت كيانه من صخر المواقف الصلبة حين كان الجميع يهرولون نحو اليقينيات السهلة والولاءات الضيقة. وُلد هذا الرجل في عام 1916 فوق أرض تونسية كانت ترزح تحت نعل المستعمر الفرنسي، في زمنٍ كان فيه الانتماء يُقاس بالدين أو بالعرق (3)، لكنه اختار منذ صرخته الأولى أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم، متجاوزاً حدود الطائفة والملة ليعانق أفق الإنسانية الرحب.

لم تكن تونس عام 1916 مجرد جغرافيا، بل كانت غلياناً مكتوماً تحت وطأة "الحماية" التي كانت في جوهرها استعماراً استيطانياً يهدف إلى مسخ الهوية (6). كان الصبي جورج يراقب من نافذة منزله في "الحارة" (حي اليهود العتيق) تداخل الأصوات الهجين؛ أذان المساجد الذي يختلط بأجراس الكنائس وتراتيل الكنيس، لكن أذنه كانت تلتقط بوضوح أكثر أنين الجوعى في "الربض" وصيحات العمال المنهكين في ميناء تونس. هناك، وسط تلك الأزقة التي تفوح برائحة الياسمين الممزوجة بغبار الفقر والقمع الطبقي، أدرك عدّة أن الوجع لا دين له، وأن الجوع لا يحتاج إلى ترجمان. لم يكن يهودياً بالمعنى الطقوسي الذي يحبس الروح في جدران المعبد، بل كان تونسياً حتى النخاع، وإنسانيًا يرى في وجع الفقراء وكدح العمال كتاباً أقدس من كل الأسفار التي قرأها الناس في دور العبادة (8)، ليدشن بذلك المنطلق السيادي الأول من ملحمة رجل قرر أن يعيش ضد التيار ليظل وفياً لبوصلة الحقيقة وحدها.

المجرى الأول: المختبر الكوزموبوليتاني وبناء "الوعي الطبقي"
لقد كانت نشأة جورج عدّة في تونس العاصمة مختبراً حقيقياً لصراع الهويات وتجاورها القلق. كانت الجاليات تتجاور في الجغرافيا وتتباعد في الرؤى، وكانت السلطة الاستعمارية تقتات بذكاء على سياسة "فرق تسد"، محاولة إقناع الأقليات، واليهود منهم خاصة، بأن حمايتهم الوجودية تكمن حصراً في ظل العلم الفرنسي وحقوق "المواطنة الفرنسية" التي مُنحت للبعض (7). بيد أن عدّة، بحدسه المبكر، أدرك أن هذه الحماية هي "فخ هوياتي" يهدف إلى عزل المكون اليهودي عن عمقه التونسي.

انخرط عدّة في الحزب الشيوعي التونسي في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت صعود الفاشية في أوروبا وانعكاساتها على المستعمرات (1). لم يكن انخراطه بحثاً عن أيديولوجيا جامدة أو مجرد "موضة" فكرية، بل كان بحثاً عن أداة كونية لتحقيق العدالة الاجتماعية. كان الحزب الشيوعي آنذاك يمثل "المختبر الثالث"؛ فبينما كان الحزب الدستوري يمثل النزعة الوطنية ذات المسحة القومية، كانت الشيوعية فضاءً كوزموبوليتانياً يلتقي فيه التونسي المسلم باليهودي بالإيطالي والمالطي المناهضين للفاشية (1).

في هذا الفضاء، لم يجد جورج نفسه مجرد "عضو"، بل وجد هوية بديلة تتجاوز مأزق "الأقلية" التاريخي. التحول من "الطائفة" إلى "الطبقة" هو الذي منح عدّة الحصانة الأخلاقية والسياسية التي ميزته طوال حياته (5). لقد فهم أن "تونسة" الحزب لا تمر عبر برقيات موسكو، بل عبر الانغماس في قضايا الأرض التونسية. كان يرى في نضال البروليتاريا التونسية وطناً أوسع من حدود الجغرافيا الضيقة، مؤمناً بأن الحرية لا تُجزأ، وأن نضال العامل في مناجم الفوسفات بالحوض المنجمي هو الجوهر الحقيقي لمعنى الوطن (14).

المسار الثاني: الفعل النقابي وعناد "العقل الاستراتيجي"
ومع اشتداد عود الحركة الوطنية في الأربعينيات، انتقل جورج عدّة من التنظير الحزبي إلى مربع الفعل الميداني الصلب، متمسكاً بالاتحاد العام التونسي للشغل كركيزة أساسية للتحرر الوطني (13). هنا، برزت علاقته التاريخية والوجدانية برفيق دربه وفخر الحركة النقابية فرحات حشاد. كان حشاد يمثل الروح المتوقدة والعفوية المنظمة للشارع التونسي، بينما كان عدّة يمثل "العقل البارد" والمحلل الاستراتيجي الذي يربط بين نضال العمال الموضعي وحسابات السياسة الدولية (4).

أدرك عدّة بحدسه أن الاستقلال السياسي الذي لا يتبعه تحرر اجتماعي واقتصادي هو مجرد "استبداد ملون" (6). كان يساجل رفاقه في الحزب وفي الحركة الوطنية بأن الوطن ليس مجرد علم يُرفع أو نشيد يُعزف، بل هو "حق في الحياة" وكرامة تُصان عبر توزيع عادل للثروة. ساهمت خلفيته الثقافية الواسعة وقدرته على السجال في جعله صوتاً مسموعاً داخل أروقة النقابة، حيث كان يصيغ المطالب العمالية بلغة قانونية وسياسية رصينة، مما جعل الحركة النقابية التونسية آنذاك حالة فريدة في العالم العربي، تمزج بين الوطني والاجتماعي (9).

هذا المسار وضعه في مواجهة مباشرة مع القوى التقليدية والمحافظة التي كانت ترى في "يهوديته" سبباً للشك أو الإقصاء. لكنه كان يواجه هذا الإقصاء بفعل الميدان؛ ففي إضرابات صفاقس والمظاهرات الدامية التي واجهت القمع الفرنسي، كان جورج عدّة في الطليعة، لا كيهودي يبحث عن موطئ قدم، بل كمواطن يفرض سيادته بالفعل النضالي. كان يؤمن أن المواطنة لا تُمنح كمنحة من السلطة، بل تُنتزع في ساحات النضال المشترك (17).

المنعطف الجذري: زلزال 1948 والمواجهة مع "الأسطورة"
تمثل سنة 1948 المنعطف الأكثر حدة وصعوبة في مسيرة جورج عدّة. فمع قيام دولة إسرائيل، واجه المجتمع اليهودي التونسي ضغوطاً هائلة، تداخل فيها الديني بالسياسي بالدعائي (3). في تلك اللحظة الحرجة، حيث كانت الحركة الصهيونية تنشط عبر شبكات سرية ومنظمة لإغراء اليهود بالهجرة إلى "أرض الميعاد"، وقف جورج عدّة شامخاً كالنخلة التونسية، رافضاً بصلابة الانخراط في هذا "الوهم الجماعي".

أعلن عدّة في شجاعة نادرة أن فلسطين ليست وعداً إلهياً، بل هي "مظلمة تاريخية" سدد ثمنها الأبرياء من الشعب الفلسطيني (15). كان صوته في أزقة "الحارة" وبطحاء تونس يصدح بموقف كسر كل القواعد السائدة: "اليهودي التونسي ليس مشروع مهاجر، بل هو جذر أصيل في هذه الأرض". اعتبر الصهيونية وجهاً آخر للاستعمار، وأن بناء دولة على أساس نقاء ديني أو عِرقي هو طعنة في قلب القيم التقدمية التي ناضل من أجلها (10).

هذا الموقف جعله يعيش "غربة مزدوجة"؛ فقد وصمته الدوائر الصهيونية بالخيانة العظمى، بينما ظل بعض القوميين العرب ينظرون إليه بريبة "المشبوه" (16). لكنه، ببرود الفلاسفة ويقين المناضلين، ظل يردد: "أنا يهودي بالميلاد، وتونسي بالاختيار، وهذا الاختيار هو أسمى تجليات الحرية الإنسانية". إن توقيعه على بيان المثقفين اليهود المناهض للصهيونية في تلك الفترة يُعد وثيقة تاريخية تثبت أن الضمير الأخلاقي يمكن أن ينتصر على نداءات الطائفية الضيقة (10).

التدافع الثالث: صراع "البوصلة" مع الدولة الوطنية
لم تنتهِ معارك جورج عدّة مع بزوغ فجر الاستقلال عام 1956. بل بدأت مرحلة جديدة ومريرة من المواجهة مع سلطة الدولة الوطنية الصاعدة، التي بدأت تتشكل حول كاريزما "الزعيم الملهم" والحزب الواحد (2). وبينما انخرط الكثير من رفاقه في أجهزة الدولة والبحث عن المغانم، ظل عدّة متمسكاً ببوصلته الأخلاقية، محذراً من "تأميم الوطنية" واحتكارها من طرف جهة واحدة.

رأى عدّة مبكراً أن الاستقلال الذي لا يحرر العقل من قيود الاستبداد هو مجرد انتقال للسلطة من يد مستعمر أجنبي إلى مستبد محلي (5). ومع قرار حظر الحزب الشيوعي في جانفي 1963، دخل عدّة في صراع وجودي مع نظام بورقيبة (11). لم يكن صراعاً على كراسٍ، بل كان صراعاً على "معنى الوطن". رُفضت أطروحاته، وحوصر صوته، وتُجاهل وجوده في السجلات الرسمية للتاريخ، لكنه رفض المغادرة نحو "المنفى المريح" في فرنسا (12).

اختار البقاء في شقته المتواضعة بتونس العاصمة، محاطاً بكتبه وذكرياته، ممارساً ما يمكن تسميته بـ "النضال بالوجود". كان مجرد بقائه في تونس، يهودياً وعربياً وشيوعياً ومعارضاً، يشكل "قلقاً رمزياً" للسلطة وللصهيونية على حد سواء؛ فهو الحيُّ الذي ينقض أسطورة استحالة التعايش، وهو الشاهد على أن الوطنية لا تنتهي عند حدود الولاء للزعيم (17).

الرؤية الختامية: جورج عدّة كدرس في "الأخلاق السياسية"
وفي عام 2008، ترجل جورج عدّة عن صهوة الحياة بهدوء يماثل صمت العظماء. لم تشيع جنازته المواكب الرسمية الصاخبة، لكن شيعته قلوب كل الذين آمنوا بأن "الإنسان" هو القيمة الأسمى. رحل الرجل الذي لم يركع لرئيس، ولم يساوم على وطن، تاركاً إرثاً يتجاوز سيرته الفردية ليكون مرآة تعكس أزمة الهوية في العالم العربي المعاصر (12).

إن مسيرة جورج عدّة، التي يتداخل فيها إرث حفيده الإعلامي مراد الزغيدي بالحكاية الوطنية الكبرى، تظل سؤالاً معلقاً في فضاء الفكر العربي: هل نملك الشجاعة لنكون أحراراً خارج صناديق الطوائف؟ وهل يمكن للدولة أن تتسع للجميع دون استثناء؟ (17). لقد كان جورج عدّة هو "الإجابة الحية"؛ التونسي بلا مواربة، واليهودي بلا خيانة، والفلسطيني الهوى بلا جواز سفر.

سيبقى اسمه في "كتاب تونس" الحقيقي صفحة بيضاء لا تشوبها شائبة، ومنارة تهدي التائهين في دروب الهويات المتلاطمة، مؤكداً أن الحق لا يحتاج إلى كثرة عددية، بل يحتاج إلى إيمان يتجاوز حدود الزمان والمكان (18).

قائمة المصادر والمراجع (بترقيم البحث)
حبيب كزدغلي، تطور الحركة الشيوعية في تونس (1919-1943)، منشورات كلية الآداب بمنوبة، تونس، 1992.

عبد الجليل التميمي، الحركة الوطنية التونسية: دراسات ومحاضر جلسات، مؤسسة التميمي للبحث العلمي، زغوان، تونس.

طارق بلحاج محمد، يهود تونس: قضايا الاندماج والصراع (1881-1956)، دار نقوش عربية، تونس، 2007.

عدنان الملوحي، فرحات حشاد: نضال نقابي وتحرر وطني، مطبعة الاتحاد العام التونسي للشغل، تونس.

منير السعيداني، المثقف والسياسة في تونس، معهد البحوث المغاربية المعاصرة، تونس.

الهادي التيمومي، تونس 1945-1950، دار القلم، تونس، 2001.

Juliette Bessis, La Méditerranée fasciste: l'Italie mussolinienne et la Tunisie, ditions L'Harmattan, Paris.

Albert Memmi, Portrait du colonisé, précédé du portrait du colonisateur, Buchet/Chastel, 1957.

أرشيف الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT)، سجلات الحركة النقابية 1946-1952.

بيان "المثقفين اليهود التونسيين" (1948)، وثيقة تاريخية محفوظة في الأرشيف الوطني التونسي.

جريدة "الطريق"، لسان حال الحزب الشيوعي التونسي، أعداد سنوات 1962-1963.

شهادة مراد الزغيدي، لقاءات إعلامية ومقالات حول الإرث السياسي لجده جورج عدّة.

حبيب كزدغلي، Communautés méditerranéennes et partisans de l'indépendance, Manouba, 1994.

Serge Adda, Chroniques d'une vie tunisienne, مقالات وشهادات تاريخية.

جريدة "الصحافة" التونسية، سلسلة حوارات المنصف بن مراد مع جورج عدّة.

جريدة "Le Temps" التونسية، ملف خاص بذكرى رحيل جورج عدّة، 2009.

شهادة جلبار نقاش، حوارات مسجلة حول تجربة النضال المشترك مع جورج عدّة.

أرشيف مؤسسة "ذاكرة" التونسية، لقاءات مصورة مع جورج عدّة، منتصف التسعينيات.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال