بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

وهم الفيلسوف الغربي

2026-02-06 32 قراءة مختلفات عماد عيساوي
إنه لمن السذاجة المفرطة بل ومن الجبن المعرفي أن نواصل توقير تلك التماثيل الشمعية التي نصبها الغرب في معابد الفلسفة واعتبارها مراجع كونية للحكمة والأخلاق بينما هي في حقيقتها لم تكن سوى الجناح الأيديولوجي لجيوش الغزو والإبادة.
فالذي يجرؤ على وضع الفيلسوف الغربي على مشرحة التاريخ الحقيقية بعيداً عن التبجيل الأكاديمي المعلب سيكتشف برعب أن حبر هؤلاء الحكماء كان أشد فتكاً من بارود الجنرالات وأن نظرياتهم الكبرى حول الإنسان والعقل
و الحرية لم تكن سوى عمليات تجميل لغوية قذرة لتبرير استعباد ثلاثة أرباع البشرية.
فمنذ البدء تأسست المعجزة اليونانية المزعومة على ثنائية المتحضر والبربري التي شرعن بها أرسطو العبودية كقدر طبيعي لمن هم خارج أسوار أثينا معتبراً إياهم أدوات حية لا تكتمل إنسانيتهم إلا بخدمة السيد الأبيض.
وهي ذات الجرثومة الفكرية التي انتقلت عبر قرون من الكمون لتنفجر في عصر التنوير الذي يمثل أكبر عملية احتيال في تاريخ الأفكار حيث نجد أساطين هذا العصر الذين صدعوا رؤوسنا بالعقل الخالص والعقد الاجتماعي هم أنفسهم المنظرون الأوائل للعنصرية العلمية.
فها هو إيمانويل كانط قديس الحداثة الذي لا يُمس يخلع رداء الفيلسوف ليرتدي معطف عالم الأنثروبولوجيا العنصري مصنفاً البشر في هرمية مقيتة تضع الأبيض في القمة وتحكم على الأسود والأحمر بالدونية البيولوجية والعجز الفطري عن إنتاج الحضارة مبرراً بذلك بدم بارد كل الفظائع التي كانت تُرتكب في المستعمرات تحت غطاء الواجب الأخلاقي للرجل الأبيض في تمدين المتوحشين.
ولم يكن فولتير أيقونة التسامح المزعومة أقل نفاقاً وهو يستثمر أمواله في شركات تجارة الرق بينما يذرف دموع التماسيح في صالونات باريس على حرية الإنسان.
إن هؤلاء لم يكونوا ضحايا لروح عصرهم كما يحاول المدافعون عنهم تبرير سقطاتهم بل كانوا هم صناع تلك الروح العدوانية ومهندسيها.
هم الذين وفروا الذخيرة الفكرية التي استخدمها لاحقاً أمثال هيغل ليمسحوا قارات بأكملها كأفريقيا من خارطة التاريخ العالمي باعتبارها جغرافيا خارج نطاق الروح المطلقة وهم الذين مهدوا الطريق لظهور نيتشه الذي مجّد
إرادة القوة واحتقر أخلاق الضعفاء وصولاً إلى هايدغر الذي لم يكن انخراطه في النازية مجرد هفوة سياسية بل تتويجاً منطقياً لفلسفة ترى في الوجود الأصيل
حقاً حصرياً للعرق الجرماني.
إن الفلسفة الغربية في جوهرها إلا ما ندر من استثناءات تم قمعها، هي لاهوت الهيمنة الذي استبدل الإله الكنسي
بالإيغو الأوروبي المتضخم وجعل من العقل الغربي المقياس الأوحد للحقيقة ومن النموذج الغربي نهاية التاريخ.
وما نراه اليوم من تنظير ليبرالي جديد حول
التدخل الإنساني و نشر الديمقراطية ليس سوى إعادة تدوير لنفايات أولئك الفلاسفة الذين علموا الغرب كيف يقتل الضحية بيد و يكتب مرثيتها الفلسفية باليد الأخرى مدعياً أن كل هذا الدم هو ثمن ضروري لمسيرة التقدم التي لا يملك مفاتيحها سواه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال