بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

القرآن بين الحفظ والفهم

2026-02-03 52 قراءة مقالات فكر عبد العزيز كحيل
القرآن بين الحفظ والفهم
إذا كان حفظ كتاب الله شيئا ضروريا مطلوبا في كل زمان فإنما يُتوّجُهُ الفهم الصحيح لأن الفهم الخاطئ يؤدي إلى العمل الخاطئ، وكيف يستقيم الظلّ والعود أعوج؟ ومقصد الحفظ والتلاوة التعبّد والتطبيق، والفهم الصحيح هو ما استند إلى تأصيلات علماء الأمة المتّسمة بالاعتدال وابتغاء المقاصد في إطار فهم شامل للدين باعتباره بناء متكاملا وليس قطع غيار متناثرة هناك وهناك يأخذ منها هذا قطعة وهذا قطعة، ويحسب كل واحد أنه أخذ القرآن والإسلام.
إن القرآن مصدر حياة لا مصدر موت، ومبعث سعادة لا شقاء: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، فالله أنزل القرآن لنسعد به ونعيش حياة طيبة حين نجعله دستورنا ومرجعنا الأول – مع السنة النبوية – في حياتنا الفردية والأسرية والاجتماعية بكلّ أبعادها وأنشطتها، فهو يبني الأمة ولا يهدمها، يجمع كلمتها ولا يفرّقها، ييسّر أمورها ولا يعسّرها، يرفع شأنها ولا يضعها،
وكل هذا لا يتمّ بالشعارات ولا بالتبرّك أو الادّعاء ولكن بتجسيد هدْيه وإحياء أخلاقه وعلى رأسها الرحمة بالعباد والأخوة الإيمانية والمحبة بين المسلمين، بهذا يبني القرآن الحياة الدنيا الطيبة ويورث الجنة.
وعلى ذكر الحفظ والحفاظ لا بدّ من الخروج من تلك الصورة النمطية الكالحة الظالمة التي تربط أهل القرآن بالسلبية والعيش على هامش الحياة والانقطاع عن الناس وعن الحركة والحيوية، وهي صورة يمثّلها كثير من الحفظة مع الأسف، وتميّزُ صاحب القرآن الكريم لا يكون لا بالانسحاب والانزواء ولا بالتمسّك بلباس معيّن يخالف ما عليه المجتمع، الحافظ هو أولى الناس بالإيجابية والفعل القوي والعمل المجتمعي النافع، يخالط الناس، يجلب لهم الابتسامة والسرور، يخدمهم، ينصحهم، يدعوهم، يتعلم منهم، وما أجمل الحافظ المتفوّق في مساره الدراسي، صاحب المواقع المتقدمة وعلامات الامتياز، أما المتخلف الراسب السلبي فهو يسيء إلى الكتاب العزيز وأهله ولو كان يحفظه بالقراءات العشر، ويبلغ الجمال والتفوّق والتميّز مداه إذا خرج من الحفظة عالمٌ يبدع في تخصصه، يخترع لنا دواء يعالج مرضا عُضالا أو آلة تيسّر حياة البشر، هكذا يجمع بين النافع والممتع... باختصار يجب أن نرتفع إلى مستوى القرآن لا أن نُنزله إلى مستوانا، فالقرآن يصنع الإنسان والحياة، وهو كتاب تريده العلمانية مرجعا روحيا فحسب، يتلى في الخلوات وتزيّن به المآتم، تجوز كتابته بماء الذهب على صحائف من حرير ليودع بعدها في خزائن مرصعة بالأحجار الكريمة ويغلق عليه بقفل من الماس لا مفتاح له، بينما يريده المؤمنون – بتوجيه منه هو – أن يكون مرجعا شاملا للروح والجسد، والفرد والأسرة والمجتمع، وشؤون الدنيا والآخرة.
والقرآن لا يعمل في دنيا الناس بشكل سحري أو عبر خوارق بل يعمل من خلال صناعة الإنسان والحياة، وذلك ببث الوعي ووضع أسس البناء الروحي والعلمي والوجداني، لذلك فهو لا يتحرك داخل المسجد فحسب بل يمتد سلطانه إلى النظم التربوية ووسائل الإعلام وكل وسائط التأثير في إطار عملية التدافع المجتمعي والحضاري، وفيه الإجابة عن كل الأسئلة المحورية الكبرى في حياة البشر بدءا ب سؤال "من أين وإلى أين ولماذا؟"، وانتهاء بلغة الجسد وحركة القلوب والعقول، مرورا بمقومات الاستقرار الاجتماعي والدولي، في إطار تصوّر قوي متناسق يبدأ بالمقصد التعبدي وينتهي بالمقصد الحياتي على مختلف المستويات مستصحبا القيم المعرفية والمصلحية التي تقيم الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة، وهو كتاب معالجة وإصلاح وتغيير وزينة كاملة، يرفع المؤمنون مكانته في النفس والواقع من خلال الاعتزاز به كمصدر للهداية الشاملة، ومن خلال صحبته والأنس به خاصة في الليل والاصطباغ بصبغته والتخلق بأخلاقه والارتقاء بهديه.
فكيف يتم الارتقاء بالقرآن؟ كتاب الله تعالى يحرّر الإنسان، لكن "طالب العلم" المسلم يعيش في كثير من الأحيان حالة الرق الحضاري وهو لا يحسّ بذلك لأنه مصاب بالخمول الفكري، ويعود ذلك إلى تعطيل عقلانية القرآن لصالح الحفظ الآلي والعاطفة والجمود، والأمر جدّ ليس بالهزل خاصة والأمة متغافلة عن مخاطر الثقافة الصوتية واللفظية والشكلية في حفظ القرآن بصفة خاصة في السنّ المبكرة، وهي تعدّ ذلك من المفاخر، ولا غرابة فالقلوب المقفلة تنتج الثقافة الشكلية رغم علم الجميع بمنهجية الصحابة الذين كانوا لا يجاوزن حفظ عشر آيات كريمة حتى يعملوا بها، أي كانت لديهم الروح العملية التي تحرّك في كل الاتجاهات الدنيوية والأخروية، ومن المهمّ جدا أن تُكتسب هذه الروح في مرحلة التلقين وليس بعدها كما يعتقد أكثرنا، وهذا بالضبط معنى "حق التلاوة" الذي أشارت إليه الآية الكريمة والذي يُثمر خشوع الإيمان ويجمع بين حلاوة التلاوة ولذة العمل، بخلاف خشوع التوتر العاطفي الذي هو أشبه شيء بالغيبوبة بحيث لا ينتج شيئا ولا يغيّر سلوكا ولا معاملة ولا أخلاقا، تتم الختمة ويعود الظالم إلى ظلمه والقاسي إلى قسوته والمنحرف إلى انحرافه.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال