في خضمّ المأساة الإنسانية والسياسية التي يعيشها قطاع غزة، طُرحت مبادرة ما يُسمّى بـ«مجلس السلام بغزة» باعتبارها إطارًا دوليًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار. ورغم الشعارات الجذابة التي رافقت الإعلان عن هذا المجلس، فإنّ قراءة متأنية للفكرة تطرح تساؤلات جدّية حول جدواها وشرعيتها وأهدافها الحقيقية.
أول إشكال جوهري في مجلس السلام يتمثل في غياب الشرعية الفلسطينية. فالمجلس لم ينبثق عن حوار وطني فلسطيني، ولم يُعرض على الشعب الفلسطيني أو ممثليه السياسيين، بل جاء كمبادرة خارجية صيغت في عواصم بعيدة عن واقع غزة ومعاناتها اليومية. وهذا يفتح الباب أمام مخاوف من أن يكون المجلس أداة لإدارة غزة بدل تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم بأنفسهم.
ثانيًا، يبدو المجلس وكأنه يركّز على إدارة الأزمة بدل معالجة جذورها. فإعادة الإعمار، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن حل سياسي عادل يضمن الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وعلى رأسها إنهاء الاحتلال ورفع الحصار. إن الحديث عن السلام دون معالجة الأسباب الحقيقية للصراع يجعل من المجلس مشروعًا تقنيًا مؤقتًا، لا رؤية استراتيجية طويلة المدى.
كما يثير المجلس تساؤلات حول تحييد المؤسسات الدولية الشرعية، مثل الأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون الإطار الطبيعي لأي ترتيبات دولية تتعلق بالنزاعات. إنشاء كيان جديد بآليات غير واضحة قد يؤدي إلى تسييس المساعدات وربطها بشروط سياسية، وهو ما يعمّق فقدان الثقة بدل بناء السلام.
أخيرًا، لا يمكن تجاهل التخوّف من أن يتحول مجلس السلام إلى أداة للوصاية الدولية على غزة، تُدار من خلالها شؤون القطاع دون سيادة حقيقية أو مشاركة شعبية، مما يكرّس واقعًا جديدًا من التبعية بدل الاستقلال.
في المحصلة، السلام لا يُبنى بالمجالس وحدها، ولا بالتمويل الدولي فقط، بل بالاعتراف بالحقوق، واحترام إرادة الشعوب، وتمكينها من اختيار مستقبلها. وأي مبادرة لا تنطلق من هذه المبادئ، مهما حملت من شعارات، ستبقى محل شك وانتقاد.
مجلس السلام بغزة: سلام مفروض أم إدارة أزمة؟
2026-01-23
546 قراءة
مقالات رأي
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال