بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كيف نحمي شبابنا من الضياع؟

2026-01-21 261 قراءة مختلفات عبد العزيز كحيل
هل تدلف بلادنا إلى الهاوية الأخلاقية أم أنها بلغت القاع؟ أرأيتم كيف سرقت العولمة أبناء المسلمين منهم وأدخلتهم متاهات لا أول لها ولا أخر، يقتحمونها وهم فرحون مسرورون، لا يلقون بالا لناصح ولا واعظ ولا عقل بصير؟ فكم في بلادنا من مضحكات ولكنه ضحك كالبكاء! الجزائر بلد الشهداء ماذا يقول عنها الشهداء لو عادوا؟ أين السير في طريق الاستقامة والهداية والرقي والتحضر؟ الحدثان اللذان وقعا هذه الأيام يجددان الأسئلة المصيرية المحرجة، فهذا المؤثر الأمريكي كشف المستور وفضح الكلام المعسول الذي نصف به شبابنا خاصة وشعبنا عامة، أنا عندما رأيت العدد الكبير من الإناث والذكور يهرولون وراء هذا الشخص بشكل جنوني خفت حقا على مستقبل بلادي ودينه وأخلاق أهله ومصيره، وتبادر إلى ذهني كتاب مالك بن نبي "العفن"، تذكرته في ظل هذا الكم الهائل من الذل والفسق والدياثة، والناس في هستيريا حول صانع محتوى تافه، والطامة الكبرى أن الاولياء يشجعون هذا الانحلال صراحة أو ضمنا، فلم نعد ضحايا القابلية للاستعمار وحدها بل هناك قابلية الخرافات والمسخ والاستحمار...إننا ننتكس بدل الارتقاء، كل هذا في أجواء من الميوعة والرداءة يشيعها الإعلام ويضخمها ويحببها إلى الناس بمباركة أطراف سياسية لا تخجل من الدعوة إلى كل ما يخالف شريعتنا وقيمنا وأخلاقنا وثوابتنا... إنها ليست “فرحة شباب” كما يُراد تبريرها، بل تعبير صريح عن فراغ قيمي عميق، وشباب بلا بوصلة ولا معيار، والمنبع واحد هنا وفي ساحات المخدرات والمهلوسات والكرة: نفس الجيل، نفس المنظومة التربوية، ونفس التفريغ الممنهج للقيم، حين يُهان الأستاذ والإمام، ويُقدَّس المؤثر التافه أصبحنا أمام ميزان مختل: الشهرة بلا قيمة والحرية بلا أخلاق ولا مسؤولية... انهيار لهيبة المدرسة، وغياب تام لحدود الأدب...لسنا أمام طيش شباب فقط، بل أمام فشل تربوي ذريع، حيث
منظومة تعليمية ركّزت على التلقين الرتيب، وأهملت بناء الضمير الحي والوازع الديني، لأنها حيّدت الدين والأخلاق من صلب العملية التربوية، …
أما الحدث الثاني فهو الموقف من نتيجة مباريات كأس إفريقيا، فقد خرجت التظاهرات "العفوية" للتعبير عن الابتهاج بخسارة الفريق المغربي وكأن في ذلك مصدرا للفخر والاعتزاز!!! ألا يدري هؤلاء أنه بغض النظر عن النظام الحاكم المطبع هناك فإننا نحب الشعب المغربي الشقيق وجميع الشعوب الشقيقة لأننا ننتمي إلى أمة واحدة يجمعها الدين واللغة والتاريخ والمستقبل، وأن خلف تأجيج العداوة بين البلديْن أوساطا معروفة بعدائها لكل ما سبق، تسعى إلى استثمار هيجان الجماهير المخدّرة لدق إسفين الفرقة أكثر بين دولتين متجاورتين وشعبين يجمع بينهما الإخاء؟
لقد رأينا بكل أسف كيف أن هذه الجماهير أخرجها المدعو "سبيد"، وأخرجتها هزيمة المغرب لكنها نامت وتغطت وأغمضت أعينها عن مأساة غزة منذ طوفان الأقصى، فلم تخرج إلى شارع ولا نظمت مسيرة ولا رفعت أصواتها بالإنكار كما فعلت الجماهير في العالم كله...قومنا يحبون سماع صوت أبي عبيدة لكنهم إذا حضر المؤثر التافه والكرة الساحرة انصروا عنه وتركوه وحيدا وأسلموه للعدو....ما حدث مع "سبيد" ومع كرة القدم ليس أزمة أحداث بل أزمة منظومة بأكملها، ليس أزمة جيل بل أزمة تربية، فأين المؤسسات الرسمية والشعبية من هذا الضياع المبرمج؟ هل الجميع تحت تأثير أخطبوط المسيح الدجال الذي زرع أذرعه الخبيثة منذ العشرية السوداء في كل المفاصل؟ بلغ الاستهتار بمقومات الأمة هذا المبلغ؟ متى نتحرك للحد من استغباء الشعب من أجل جلد منفوخ وإنسان لا وزن له ونعيد ترتيب أولوياتنا؟ العيب فينا وإصلاحه يقع على عاتقنا، فالغرب سرق منا الأدمغة ووظفها للعمل في وكالات الفضاء والمعاهد الدولية وأرقى الجامعات، استقطب من أبنائنا أساتذة وباحثين حاصلين على الآلاف من براءات الاختراع، وأرسل إلينا سفراء المسخ والفساد، وروّج في حياتنا أنواع التفاهة حتى غدا الوعي الجمعي في خطر، ولنا أن نتساءل هل انخرطت الدوائر الإسلامية في الجزائر في دروب الصمت والتطبيع الناعم مع التفاهة فلم تتحرك في الاتجاه المعاكس لتمييع حياتنا الأخلاقية؟ متى يدرك أصحاب المنابر الدينية – لأن كلمتهم هي المسموعة قبل غيرهم - أن خطابهم فقد فاعليته وأصبح يجاري مقاصد الغرب في صناعة التفاهة؟ وأن الزمن تجاوزهم في صناعة الإنسان فضلا عن صناعة نموذج القرآن، فأجيال اليوم يصنعها المحتوى الرقمي ولو كان تافها لأنه يعبر عن حاجات شعورية ولاشعورية لم تأخذ نصيبها من الاهتمام في الخطاب الديني، فلا مناص من ايجاد آليات جديدة ومؤثرة لبث الوعي في أوساط شبابنا لإيقاف هذه السموم واكتساب المناعة اللازمة لنحفظ شبابنا من الانسياق والذوبان إن بقي فيه ذرة إسلام وإيمان.
وأختم بسؤال بريء: لماذا "تسامح" القانون مع هذه التظاهرات الشعبية بينما كان صارما في منع أي تظاهرة مؤيدة لغزة؟

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال