فلنتدبّــــر في قصة تحرير أفغانستان بل وعودة ”طالبان” نفسها إلى الحكم بعد 20 عاما من انسداد الأفق، ثمّ صمود المقـاومة في غزة رغم تداعي الأمم عليهـا وانقطاع الرجاء بالمقياس الدنيوي السببي المباشر، فلنتأمّـل كيف سخّـر الله تعالى ”طوفـان الأقصى” و”حرب أوكرانيـا” لتحريـر السوريين من حيث لم يحتسبـوا !..
ذلك تدبيـــر اللّه أوّلاً وأخيـرًااا ..
وكل مـا نراه من تفـاصيـل جيوسياسيّـة دقيقة على غرار التحالفات الإقليمية والدولية وتقـاطع المصـالح هـي في نهـاية التحليـل مجرّد إعمـال إلهي لمبدأ ”السببيّـة” الذي يقرّب التقلّبـات الدراميّـة المفاجئـة من عقولنـا البشريّـة البسيطـة !..
من المؤسف أن نجد بين ”نخبنـا” من يبـالغ في تقدير قوّة بعض الدول ولاسيّمـا الولايات المتحدة إلى درجة جعلها تبدو وكأنها المتحكم الوحيد في مصائر الأمم والشعوب،، يفسر هؤلاء كل حدث صغير أو كبير بأنه نتيجة لمؤامرة كبرى حيكت في دهاليز السياسة الأمريكية متناسين تمامًا أن هناك إرادة إلهية فوق كل إرادة وقدرة مطلقة لله تتجاوز كل حسابات البشر.
إن هذا الإسهـال في ”التفكير الريبـي” يعكس في وجه من وجـوهه ضعف الثقة بالله وسوء الظن به،، فمن يؤمن حقًّـا بقدرة الله وحكمته يدرك أن الأحداث تجري وفقًا لمشيئته وليس وفقًا لمخططات بشرية مهما بلغت من الدقة والتعقيد،، يقول الله سبحانه في مُحكم تنزيله :
«ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»..
فكيف نصدّق أن البشـر مهمـا كانت قوتهم قادرون على تجاوز إرادة الله أو تعطيل قدرته ؟!!!..
يبدو أنّ #عبد_الله_الغذامـي قد أصاب كبد الحقيقة حين كتب يقول :
«الهوَس الكتـابي عن أمريكـا حوّلها إلى قوّة ضـاربة، ليس بمـا تملكه من جيوش ومخـابرات وتكنولوجيـا، ولكن بما تمثّله من سلطان نفسي يشبه الرعب الميتافيزيقـي الّذي تمتلكه الأسـاطيـر إذ احتلّت أمريكـا دواخلنا حتّى صارت مؤسسة معرفيّة لها قوّتها من جهة ولها تأثيرهـا من جهة ثانية، ومِن ثمّ أخذت تتضخّم داخل لغتنـا وداخل تصوّراتنا حتّى صارت العملاق الّذي لا يقاوم، واصطبغ العصر بصبغة أمريكـا منذ أن تحوّلت إلى أسطورة تتحكّم باللغة وتوجّه الـخطاب» !..
من كتاب «رحلة إلى جمهوريّـة النظريّة .. مقـاربـات لقراءة وجه أمريكـا الثقـافـي» من الص و ط² عن مركز الإنمـاء الحضـاري -¹-..
صحيـح أنّ «التفكيـر الـتّآمــري» يبقى أداةً من أدوات التّحليل الـسّيـاسي فضلًا عن كونه ”اقتضـاءً علميًّــا“ بـاعتبـار أنّ «الـمؤامرة» سنّة من سنن الـتّـاريخ («ويمكـرون ويمكر الله والله خير المـاكرين»، «إنَّهم يكيـدون كيداً»، «إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من النّاصحين»)،، إلّا أنّ الغلوّ في التوسّل به لـتفكيك الأحداث قد يرمي بنـا في غيـاهب تحليـلات خنفشـاريّة تبريريّة تُقيم الحداد على مقتضيات التجرّد و الموضوعيّة،، فضلاً عمّا يمكن أن يتركه فينـا من عطالة تمنعنا من رؤية جوانب أخرى من الحقيقـة مثل ضعفنـا الداخلي وعدم استغلالنـا لما أنعم الله به علينا من قدرات وفرص،، كما أنه يعطّل التفكير الإيجابي والعمل على الإصلاح والبناء،، فبدلاً من التذمر والشكوى علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا قدّمنـا؟ وكيف يمكننا أن نغير واقعنا بإيماننـا وعملنـا الصادق الدّؤوب ؟!!!..
إن الإيمـان الحقيقي يقتضـي إحسـان الظنّ بالله وأن نثق بوعده ونصره لعباده المؤمنين،، كما يتطلب منا أن العمل الجادّ وإعداد القوّة والأخـذ بالأسبـاب وإدراك أنّ قوّة أي دولة أو جمـاعة مهمـا بلغت ليست إلا جزءًا يسيـرًا مبتسرًا من مشهد كونـي بالغ التعقيـد يديره الله بحكمته وعلمـه وعدله !..
التحليل السياسي مقابل التدبير الإلهي
2026-01-13
168 قراءة
مقالات فكر
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال