بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التوحيد البصير والعبادة الواعية

2026-01-13 305 قراءة مختلفات عبد العزيز كحيل
التوحيد الحقيقي هو الذي يدفع المسلم نحو الجهاد لتحرير أرضه وإلى رد الظلم حتى يحفظ دينه ومقدساته وترخص نفسه في سبيل الله، ومن يبحث عن بقية السلف الصالح وأصحاب العقيدة الصحيحة والفرقة الناجية نقول له إنهم أهل غزة الذين سطروا روائع في البطولة ، وعلماؤنا درَّسوا التوحيد الذي أثمر رجالا التحقوا بالجبال لتحرير الجزائر من فرنسا، وكذلك رجالا جعلوا بلاد الأفغان تستعصي على أكبر الدول الاستعمارية، أما توحيد مرجئة العصر فقد أضل عقولا التحقت بالجبال أو بصفوف العدو لقتل المسلمين،
إذًا التوحيد الذي تجد نفسك معه كل مرة في خندق العلمانيين وأعداء الدين هو توحيد مزيّف، هو مجرد سامرية تلبس ثوب التوحيد وليس لها منه نصيب، ولا بد من تكرار الإشارة إلى الفرق بين من يتغنى بمصطلح " التوحيد أولا " و يجعل ترديده لحنا يلوكه بلسانه و يتبختر على الأمة بمعرفة التوحيد و التنظير له و يتكبر على الامة و يجعل ذلك مبررا لخذلانه إخوانه المسلمين و تخلفه عن نصرتهم و تفريق وحدتهم و تشتيت صفهم و استباحة دمائهم و أعراضهم و التشفي لمصابهم و تخندقه مع الخوالف، وبين من يحقق التوحيد ويجسده عمليا، عليه يحيا حياته وفي سبيله يبذل الجهد والوسع في نصرته كما فعل أبطال الطوفان وأهل الله في غزة ..."التوحيد أولا " أصبح مجرد شعار وأداة للحكم على المسلمين بالشرك و خذلانهم والاصطفاف مع أهل الكفر، وما أبعد المسافة بين مرتزق بالتوحيد و بين من يموت لنصرة التوحيد..."سلفي" يصرخ: التوحيد في خطر... لا يجوز أن نقول لبيك يا أقصى لبيك يا فلسطين !!! يقول د. ثائر حلاق: أمة تُستباح كرامتها وتفقد هويتها وتجرّ إلى وحل الحداثة الغربية والتغريب، ومتخصصو العقيدة والمنظرون لم يروا شيئا، لأن ظهورهم تقوّست لشرح متون العقيدة والتوحيد. العقيدة ممارسة لا مدارسة، وعمل بمنهج القرآن وليست كلاما في كلام، يجب أن يُعاد النظر في طريقة تأليف كتب العقيدة وفي مناهج تدريسها، مع أهمية التمسك بأهم المبادئ الغائبة عنها والمغيّبة، وهو قانون الولاء والبراء: الحب في الله والبغض في الله، الوقوف مع المظلوم ومقاومة الظالم ...لقد جعلنا العقيدة تعقيدا ووسيلة تفرق وتمزق".
فيا من أصابك هوس "التوحيد" حديثك البارد عن التوحيد، وأنت متكئ على أريكتك، قابع خلف جهازك، تؤثر السلامة وتفضل العيش مع الأوراق الصفراء والتهويمات الخيالية، أنت في أمسّ الحاجة إلى تصحيح مفهوم التوحيد وتعميقه في قلبك، لا موحد أعظم ممن يجاهد العدو في أرض المعركة ويدخل معركة التدافع بين الحق والباطل بقوة.
لقد آن الأوان أن نعود إلى المنهج الصحيح في تديّننا سواء في مسائل العقيدة أو العبادة، ذلك أن الانصراف الكلي إلى عبادة بالتركيز على الأشكال والرسوم واللفظية والبرودة وتضخيم ذلك من خلال التأليف والتدريس إرثٌ تاريخي مؤسف جاء تحت ضغط الصراع بين الثقافي والسياسي في فترة من حياة الأمة تمزقت فيه الصفوف، وسالت فيه الدماء فرأى بعضهم أن السلامة في الابتعاد عن معترك التدافع في الحياة الاجتماعية – خاصة في شقها السياسي – فحدث تضخيم فقه العبادات والإسراف في المسائل الجدلية في التصور والاعتقاد، وتكرار الكلام في ذلك حد الملل، مع إهمال غريب للروح والمقاصد، فضاع الاهتمام بالشأن العام وحقوق الناس – وخاصة حقوق الأمة في الحرية والعدل ومحاسبة ولاة الأمور ومراقبة المال العام- مع تضخيم حقوق الحُكام درءا لشرّهم، وشيئا فشيئا تباعد المسلمون عن المنهج الأصيل وغرقوا في رهبانية ابتدعوها تغلب عليها الرسوم الباردة والأداء الآلي، حتى ألّف أحدهم ألف ورقة في الوضوء، مع العلم أن الوضوء ذكره القرآن الكريم في آيتين فقط...هكذا تناسى الناس أحاديث نبوية هي الأساس في التمكين لدين الله، مثل: " موقف ساعة في سبيل الله أفضل من صلاة سبعين عاما" – رواه الترمذي – "" ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر ؟ حارس يحرس في أرض خوف، لعله ألا يرجع" – رواه الحاكم --- ""موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود" – رواه ابن حبان...وعبارة "في سبيل الله" تعني في النسق الإسلامي كل ما يرضي الله ويخدم الدين والأمة، وتؤسس للاهتمام بالشأن العام لا الاستغراق في العبادة الفردية...آن إذًا أوان تطليق الفكر المهزوم والفقه المأزوم الذي يسوّقه المرجئة الجدد ويدعو المسلمين إلى الانسحاب والعزلة.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال