بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مفارقة الوعي الحركي المعاصر .. تمجيد قطب وإلغاء مشروعه

2026-01-07 189 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
من أكثر المفارقـات فجـاجةً واستفزازًا في الوسط الحركي الإسلامي ما نراه من احتفاء واسع بـسيّــد قطــب رحمه الله أيقونة الفكر الإسلامي الجذري من قِبَل أولئك الذين يتّخذون في الواقع خطًّا يتحدّد نقيضًـا بل ضديدًا لما مثّله الشهيد من رؤية كلية ومنهج تغييري راديكالي !..
فالذين لا يكفّون عن الإشادة به وتقديس عباراته هُم أنفسهم اليوم من يقدّمون نماذج مثل الغنوشي أو الترابي باعتبارها مرجعيات فكريّـة ملهمة مع أنّها قامت على التعايش مع المنظومة العلمانية الحديثة والتكيّف مع شروطها، بل وعلى إعادة تأويل المشروع الإسلامي برمته في أفق الدولة القُطرية والديمقراطية الغربية، والطريف/الموجع أنّ هذا الوسط ذاته يتغنّى بالتجربة التركية الأردوغانية أو التجربة الماليزية ويقدّمها على أنّها ذروة “العقلانية الإسلاميّة المعاصرة” مع أنّهما أبعد ما تكونان عن المنطق الفكري والروحي الذي بشّر به قطب والقـائم على الاستعصاء الثقافي و المفــاصلة العقديّـة أي عدم الانحناء لسلطة الجاهلية المعاصرة أو الذوبان في بنيتها !..
إنّ ”مأسـاة قطب” مع هؤلاء تكمن في تحوّله إلى شعار فولكلوري أجوف أو رمز مكثّف دون مضمون، فصار حضوره في خطابهم مجرّد تنميف خطابي أو بطاقة هويّـة عائمة للتدليل على الجذور الإسلامية "الأصيلة"، لا باعتباره حامل مشروع تغييري يقطع مع روح الحداثة السياسية ومع منطق التدرّج الإصلاحي المهادِن،، وهنا تكمن فجـوة المعنــى؛ فهُم يستحضرونه في مقام الوجدان والرمزيّـة لكنهم يلغونه في مقـام الفعل والبرامج العمليّـة بحيث ينقلب قطب عندهم إلى تميمة تبريريّــة أكثـر منه منارة هادية قالت ذات يوم «إنّ كلمـاتِنـا ستبقـى عرائس كالـشّمـع، حتى إذا مِتنـا في سبيلهـا دبّت فيهـا الحيـاة وكُتب لهـا الـخلود» !..
طبعًـا سيعترض المعترضون بالقول إنّ هذه ”الازدواجية” ظاهرية وهي مبرَّرة بمنطق “التراكم التاريخي” وأنّ لكل تجربة سياقهـا وشرطياتها ومسوّغاتها، غير أنّ هذا التبريـر يُخفي في جوهره التناقض بدل أن يفسّره؛ فالتراكم الخلاّق لا يعني الجمع العبثي بين الأضداد ولا يستقيم مع طمس الفوارق العقدية والمنهجية التي تفصل بين جذرية قطب وبين من ارتضوا الانخراط في لعبة الدولة القُطريّة والديمقراطية العلمانية، التراكمية الحقيقية في أي مشروع تحرّري هو امتداد لخطّه المبدئي في سياقات متجددة لا تلفيق بين مشاريع متباينة في منطلقاتها وغاياتها يُستعمل فيه رمز المقاومة لتزكية خطّ المساومة .. أمّا التسويق للتناقض على أنّه ”تكـامل” باسم التراكم فليس إلّا محاولة سيزيفيّة للهروب من مواجهة السؤال الحضاري المفصلي : أيُّ إسلام نريد ؟! إسلام المفاصلة والقطع مع الجـاهلية كما بشّر به قطب والذي نسمّيه ”الإسلام الممكَّـن” أم إسلام التكيّف والتأويـل المسمَّى بـ”الإسلام الاعتذاري/الممكِن” ؟!..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال