بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التوحيد بين النظرية والتطبيق

2026-01-06 297 قراءة مقالات رأي عبد العزيز كحيل
هل المسلمون اليوم في حاجة إلى كتاب إضافي عن التوحيد أو إلى شروح على ما كتبه الامام محمد عبده وقبله محمد ابن عبد الوهاب وغيرهما؟ جميع المسلمين يعرفون قواعد الإسلام وكليات الدين وأصول العقيدة وتفاصيل العبادات، إنهم – كما قال مالك بن نبي – في حاجة إلى تفعيل إيمانهم وعيش إسلامهم، أي أنهم مصابون بأنيميا الإيمان، لم يرفع إبراهيم واسماعيل أكفّ الدفاء إلا بعد ان أنجزا، ولم يدع موسى ربه إلا بعد أن قدم ما يفرضه عليه دينه من خدمة للفتاتيْن، ولم يلحّ الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء عشية بدر إلا بعد أن استنفد هو والصحابة ما بأيديهم من وسع، أما نحن فركزنا في أكثر الأحيان على الدعاء وتركنا العمل، وهكذا نجد أن الافراط في تجريد التوحيد لله يجعل من المسلم إنسانا خاملا متواكلا وقد يجعل منه إرهابيا تكفيريا يفكر في القتل و سبي النساء الانحياز العاطفي وحده أو العقلي وحده للدين في حين أن التوحيد بمعناه الإسلامي الأصيل يبث روح التوثب والمغالبة في ميادين الحياة كلها ويجعل القيام من الهزيمة الحضارية هو الأولوية، وشتان بين من يرى الاسلام مظاهر وطقوسا وبين من يراه حركة في الحياة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض، و لا ينقضي العجب ممن يشاغبون على المسلمين بسؤال ساذج غير بريء مثل "أين الله؟" ليثبتوا أنه في السماء، ويتحاشون إثبات أن الله في الأرض بشريعته وحكمه ودينه! يرون حكم الله وشريعته يغتصبها البشر، ثم يتشاغلون بإثبات أن الله في السماء ولكنهم لا يتساءلون: أين الله عند حكامهم؟ أين الله من دساتيرهم وقوانينهم؟ أين الله في موالاتهم وبراءتهم؟ أين الله في حربهم وسلمهم؟ أين الله في سياستهم وعلاقاتهم الدولية؟ يريدون أن يثبتوا لله العلوّ، حسنا، لكن العلوّ لله ليس في السماء فحسب، فليثبتوا لله العلوّ فوق الأرض بكلمته كما أُمر سبحانه وتعالى (وكلمة الله هي العليا)...إن مثل هذا التصرف يشوّه الإسلام حتى بدا كعقيدة إغريقية لا تشغل إلا حيز التصور الذهني المجرد، ولا علاقة لها بواقع البشر إلا في أخلاقيات شكلية فردية لا تقيم دين الله في الأرض ولا تعلي له كلمة... يقول عبد الله عزام رحمه الله: " لن يقوم الإسلام إلا كما قام أول مرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما قام الإسلام أول مرة إلا من خلال دعوة التوحيد الخالص التي حطمت الأصنام في القلوب قبل أن تحطمها في عالم الوجود والشهود، والتوحيد لا يفهم من خلال قراءة الكتب، إنما يفهم من خلال قراءة الأحداث، ومن خلال مواجهة الابتلاء والمحن، كل من يعيش بعيدا عن المحن والابتلاء لا يمكن أن يدرك دين الله، ولا يمكن أن يكون أمينا على شريعة الله فيما لو وضعت بين يديه لينفذها، ولذا رأينا أن الحكومات تستعين كثيرا بحفظة النصوص والمتون والحواشي لتكفير أبناء الدعوة الإسلامية إذا أرادت تعليقهم على الأعواد أو نصبهم على المشانق، ومن هنا نجد سيد قطب وهو يساق إلى المشنقة يتقدم إليه عالم أزهري يقول لسيد "قل: (اشهد أن لا إله إلا الله) فيقول له سيد: حتى أنت جئت تتم المسرحية؟ نحن نعدم لأننا نقول (لا إله إلا الله) وأنتم تأكلون خبزا ب(لا إله إلا الله)، وشتان شتان بين الذين يأكلون الخبز ب(لا إله إلا الله) وبين الذين يعدمون من أجل (لا إله إلا الله)"، إذًا هنالك فرق كبير بين التوحيد النظري وبين التوحيد الواقعي العملي الذي يهز أركان الطغاة وقوائم عروشهم ويزلزل الأرض من تحتهم، وبين أناس مسخرين لإصدار الفتاوى الناضجة المطبوخة على جوانبهم كلما أراد هذا الطاغية أن ينكل بالحركة الإسلامية أو يقمعها."- موسوعة الذخائر، ج 3 ص 123.
ويقول د. نورالدين الخادمي:"التحرر من وثنية الاستبداد من أعلى مراتب التوحيد وأرقى معالم التسديد"...فليس التوحيد أن نكفر بأصنام الحجارة ثم نجعل من الحاكم صنما، أو من بقعة من الأرض صنما، أو من نسب عرقي صنما ثم نتوجه بمشاعرنا نحوه، من جهة أخرى في أوقات الأزمات والأحداث المفصلية في حياة الأمة – مثل حرب الإبادة في غزة - من رأيتموه يحدث الناس عن التوحيد والسنة والبدعة فهو متهم في دينه، شأنه شأن من دخل بلدا فشا فيه الظلم فصار يحدث الناس عن مضار التدخين أو حوادث الطرقات.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال