لم تكن نيويورك تايمز تروي حكاية سقوط رجل، بل كانت،من حيث لا تدري أو تدري، تكتب بلاغًا كونيًا في علم انقراض الرؤساء، وتقول لهم جميعًا لا أحد في مأمن، لا من حراسه،ولا من جدرانه، ولا من نفسه.
ما كُتب لم يكن خبرًا، بل تشريحًا لجثة السلطة وهي لا تزال تتنفس.
الصحيفة لم تصرخ، لم تهلل، لم تشتم، لكنها فعلت ما هو أخطر
شرحت الآلية. والآلية، حين تُفهم، تصبح سلاحًا عامًا، يمكن لأي قارئ ذكي أن يوجّهه حيث يشاء.
الرئيس، أي رئيس، ليس سوى جسد مؤقت تسكنه الدولة. المشكلة تبدأ حين ينسى ذلك، حين يعتقد أن الدولة سكنت جسده إلى الأبد، وأنه صار العضو الحيوي الوحيد، وأن الشعب مجرد جهاز تنفّس صناعي يُستبدل عند العطب.
هنا تحديدًا، لا تبدأ المؤامرة، بل يبدأ الملل داخل البلاط. الملل هو الأب الشرعي للخيانة.
الملل من الخطب نفسها، من الوجوه نفسها، من الأوامر نفسها، من القائد الذي يشيخ ولا يشيخ الكرسي.
عند هذه النقطة، لا تحتاج الاستخبارات الأجنبية إلى عبقرية خارقة؛ يكفيها أن تفتح الباب، فستجد من ينتظر خلفه.
نيويورك تايمز لم تقل الخائن فعل.
قالت ما هو أوقح
الخائن كان موجودًا أصلًا.
كان يشرب القهوة، يوقّع الأوراق، يبتسم في الصور، يقف نصف خطوة خلف الرئيس، ويعرف عنه أكثر مما يعرف عن نفسه.
الخيانة هنا ليست انحرافًا أخلاقيًا، بل وظيفة سياسية تنشأ حين تتحول السلطة إلى عزلة، وحين يُستبدل الشعب بالحرس، وتُستبدل الشرعية بالبروتوكول، ويُستبدل العقل بالريبة. في هذه اللحظة بالضبط، لا يعود السؤال من خان؟ بل لماذا تأخر؟
كل رئيس عربي يقرأ هذا الفصل ويظن أن الحديث عن غيره،هو رئيس مرشّح لأن يُكتب عنه فصل مماثل لكن بنبرة أشد سخرية.
لأن العطب واحد، حتى لو اختلفت اللهجات والأزياء والأعلام.
القصر واحد في بنيته النفسية
حاكم في الأعلى، دائرة ضيقة تحته، هواء فاسد يدور، وناس في الخارج يُنظر إليهم كخطر ديموغرافي لا كمصدر شرعية. هؤلاء الرؤساء يشبهون بعضهم حدّ التطابق
نفس هوس الأمن، نفس احتقار السياسة، نفس الخلط بين الدولة والكرسي، نفس الاعتقاد الساذج بأن الأجهزة تحب،وأن الخوف يُنتج وفاءً، وأن المال يسدّ فجوات الروح.
الوقاحة الحقيقية ليست في اقتحام مخبأ، بل في أن يُكتشف أن المخبأ نفسه كان مشروع خيانة مؤجّل.
أن تُبنى دولة كاملة على فكرة الاختباء، ثم يُفاجأ صاحبها بأن الاختباء لا يحمي من الطعن، بل يؤجله.
أن يعتقد رئيس أن كثرة الحراس تعني قلة الخونة، بينما الحقيقة أن كل حارس زائد هو احتمال خيانة جديد.
الأجهزة التي تُكدّس بلا عقل تتحول إلى سوق داخلية للمعلومات، وكل معلومة لها سعر، وكل سعر له زبون.
الهجوم السيبراني، الطائرات المسيّرة، التشويش، الإنزال
كل هذا فولكلور عسكري يصلح للأفلام.
الجوهر أبسط وأقذر
انهيار العقد غير المكتوب بين الحاكم ومن حوله.
حين يصبح القرب من الرئيس عبئًا لا امتيازًا، وحين تتحول الخدمة إلى عقوبة، وحين يُدار الحكم بالشك لا بالثقة المحاسَبة، عندها تبدأ الدولة في أكل نفسها.
الخائن لا يأتي من فراغ، بل من نظام ربّاه، همّشه، خوّفه، ثم تركه يتعفّن قرب مركز القرار.
غرفة النوم، التي تبدو تفصيلًا فاضحًا في السرد، ليست تفصيلًا بل خلاصة.
هناك تسقط كل الأساطير.
لا خطب، لا أعلام، لا موسيقى وطنية.
مجرد إنسان، في أضعف حالاته، محاط بأشخاص يعرفون عنه أكثر مما يحتمل.
كل رئيس ينام مطمئنًا لأنه أغلق الأبواب، هو رئيس لم يفهم أن الأبواب تُغلق على الخارج فقط.
الداخل لا يحتاج إلى كسر.
الداخل يحتاج فقط إلى لحظة قرار.
وهنا نصل إلى النقطة التي تخشاها كل الأنظمة ولا تجرؤ على تسميتها،الخيانة ليست استثناءً في الدول المتكلسة، بل آلية توازن أخيرة.
حين تُغلق السياسة، تفتح الخيانة نافذة.
حين يُمنع التداول، يتداول الناس الأسرار.
حين يُقتل الأمل، يُبعث الثمن.
خمسون مليون دولار ليست رشوة؛ هي تقييم سوقي لرأس دولة فشلت في أن تكون دولة، فصارت جائزة.
هذا المقال لا يحذّر الرؤساء من الاستخبارات الأجنبية، فهذه حرفة قديمة.
هو يحذرهم من أنفسهم.
من اليوم الذي يظنون فيه أن التاريخ انتهى عند أسمائهم،وأن الشعوب يمكن استبدالها بالأجهزة، وأن اللغة الوحيدة المفهومة هي لغة القبضة.
في ذلك اليوم، يبدأ العدّ التنازلي، لا على ساعات الاستخبارات، بل على أعصاب الداخل.
وكلما طال الحكم بلا معنى، كلما قصرت المسافة بين الكرسي والهاوية.
الرؤساء لا يسقطون لأن أعداءهم أقوياء، بل لأنهم نجحوا أكثر من اللازم في صناعة أعدائهم في بيوتهم.
ومن يظن أن هذا الكلام أدب أو مبالغة أو شتيمة، فليقرأ الأخبار لا كخبر، بل كمرآة.
المرآة لا تخون، لكنها تفضح.
الخائن لا يأتي من فراغ
2026-01-05
190 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال