بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التحمل النفسي للجماعات

2026-01-05 139 قراءة مختلفات عماد عيساوي
هذا العالم لا يُدار بالقوة فقط، بل بسوء الفهم المُنظم.
ليس المطلوب منك أن تُهزم، بل أن تُخطئ تفسير هزيمتك. ليس المطلوب أن تُقمع، بل أن تقتنع أن القمع ضرورة مؤقتة. النظام الدولي لم يعد تحالف دول، بل تحالف سرديات كاذبة،كل دولة تكذب على شعبها، وكل إمبراطورية تكذب على نفسها، ثم يلتقون جميعًا على كذبة كبرى اسمها “الاستقرار العالمي”.
لا أحد يريد الاستقرار، لأن الاستقرار يعني توزيعًا عادلًا للقوة، وهذا آخر ما يريده الأقوياء.
أمريكا ليست شريرة بالمعنى الأخلاقي الساذج، بل براغماتية إلى حد الانحطاط.
هي لا تؤمن إلا بشيء واحد
ألّا تكون أنت بخير حتى لو كانت هي متعبة.
لا يهمها أن تنتصر، المهم ألا تنتصر أنت.
لذلك لا تحسم الحروب، بل تُديرها، لا تُسقط الأنظمة دفعة واحدة، بل تُبقيها معلّقة، نصف ميتة، نصف حية، لأن الدولة الميتة تُدفن، أما الدولة المعلّقة فتُبتز إلى الأبد.
أمريكا لا تخاف من الصين بقدر ما تخاف من أن تكتشف الشعوب أن الإمبراطور ليس عبقريًا بل مقامرًا محظوظًا. ولهذا ستقاتل حتى آخر حليف، لا حتى آخر جندي.
وأوروبا، هذا الجسد الذي فقد أعصابه، ليست ضحية بريئة،بل شريك جبان.
تخلت عن السياسة لصالح الأخلاق، وعن السيادة لصالح الراحة، ثم فوجئت أن الأخلاق لا تحمي الأنابيب ولا تشغّل المصانع.
أوروبا صدّرت للعالم خطاب الحقوق، لكنها استوردت من أمريكا الخوف، والخوف حين يدخل دولة ديمقراطية يحوّلها إلى بيروقراطية مرتعشة، تخشى مواطنيها بقدر ما تخشى أعداءها.
أخطر ما في أوروبا ليس اليمين المتطرف، بل الفراغ الفكري في الوسط، ذلك الوسط الذي لا يعرف لماذا يدافع عن شيء ولا لماذا يعادي شيئًا، لكنه مستعد أن يدفع ثمن كل شيء كي لا يُتّهم.
روسيا، بالمقابل، تعرف تمامًا لماذا تقاتل، وهذا وحده يجعلها أخطر مما تبدو.
ليست دولة أذكى، بل دولة أقل وهمًا.
لا تحلم بالجنة الليبرالية ولا تؤمن بسوق حرّ أخلاقي، بل تؤمن بأن من لا يملك دبابة يملك بيان إدانة، ومن لا يملك قمحًا يملك خطابًا عن القيم.
روسيا اختارت أن تكون مكروهة بدل أن تكون مُدارة، وهذه صفقة لا يفهمها إلا من قرأ التاريخ بلا عاطفة.
لكنها دفعت ثمنًا فادحًا
مجتمع يتحول ببطء إلى ثكنة، وثقافة تختصر الإنسان في قدرته على التحمل، وهذا طريق النجاة لكنه أيضًا طريق القسوة.
الصين أكثر خبثًا من الجميع، لا لأنها شريرة، بل لأنها تفهم الإنسان ككائن اقتصادي قبل أن يكون سياسيًا.
لا تحتاج أن تقنعك بحبها، يكفي أن تحتاجها.
لا تحتاج أن تهزم أمريكا عسكريًا، يكفي أن تجعل العالم غير قادر على الاستغناء عنها.
لكنها ليست محصنة كما تتخيل؛ شيخوخة السكان، الاختناق الرقمي، الخوف من الحرية داخل مجتمع بُني على الطاعة،كلها قنابل مؤجلة.
الصين ستنجو لا لأنها مثالية، بل لأنها تعرف أن الانفجار المؤجل أفضل من الانتحار السريع.
إيران ليست دولة فقط، بل حالة نفسية جماعية، شعب تعلّم أن يعيش ضد التيار، ونظام بنى شرعيته على العداء الدائم. مشكلتها ليست العقوبات بل الاعتياد عليها، لأن الاعتياد يقتل الذكاء.
إيران تعرف كيف تصمد، لكنها لا تعرف كيف تعيش طبيعيًا،وهذه معضلة وجودية.
أخطر لحظة على إيران لن تكون القصف، بل اللحظة التي يقرر فيها جيل جديد أن البطولة لم تعد تكفي لتبرير الفقر.
أما العالم العربي، فمشكلته أعمق من الاستبداد، وأخطر من التدخل الخارجي.
مشكلته أنه لم يحسم بعد علاقته بذاته.
لا يعرف هل يريد دولة أم قبيلة موسعة، هل يريد مواطنًا أم تابعًا، هل يريد كرامة أم استقرارًا بأي ثمن.
الأنظمة تخاف شعوبها، والشعوب لا تثق في بعضها، والنخب تكتب كأنها تعيش في باريس بينما الشارع يعيش في قاع التاريخ.
النفط لم يكن نعمة ولا نقمة، بل مخدرًا أخر نمو الوعي السياسي.
الدول التي لا تملك نفطًا انفجرت، والتي تملكه نامت، لكن النوم الطويل أخطر من الجوع.
الشرق الأوسط سينفجر أولًا لأن الانفجار جزء من توازنه، لكن أوروبا إن انفجرت ستُصيب العالم بارتجاج حضاري، لأن نموذجها كان الوهم الأخير بأن الإنسان تجاوز الغريزة. الانفجار الأوروبي لن يكون دبابات، بل انهيار ثقة، تمرّد على الدولة، كراهية للنخب، وعودة السؤال البدائي لماذا نطيع؟ وعندما يُطرح هذا السؤال في مجتمعات لا تعرف القمع، تكون الفوضى أكثر توحشًا.
ما لم يُقل عادة، وما يتجاهله كثير من الكتّاب، هو أن العامل الحاسم القادم ليس السلاح ولا الاقتصاد، بل التحمل النفسي للجماعات.
من يستطيع أن يعيش أسوأ عشر سنوات دون أن ينهار أخلاقيًا سينجو.
من يحتاج إلى رفاه دائم ليؤمن بالدولة سيسقط.
العالم القادم ليس عالم الأفكار الكبرى، بل عالم الأعصاب المشدودة،والاكتئاب الجماعي، والخوف من المستقبل.
الدول التي لا تفهم الصحة النفسية كأمن قومي ستتفكك من الداخل دون طلقة واحدة.
في النهاية، لا يسقط من هو ضعيف فقط، بل من يكذب على نفسه طويلًا.
ولا ينجو من هو قوي فقط، بل من يعرف حدوده ولا يخجل منها.
هنا لا أقدّم خلاصًا، لأن الخلاص كذبة مريحة، بل أقدّم مرآة.
ومن لا يحتمل النظر في المرآة، لا يلومنّ إلا نفسه حين يكسرها العالم فوق رأسه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال