ما حدث كما أُعلن بلا خجل ولا مواربة ليس حادثة دولية،بل جريمة كونية موصوفة.
جريمة لا تُرتكب في الأزقة الخلفية بل في وضح النهار،جريمة تقول للعالم بوقاحة المنتصر
لم تعد الدولة خطًا أحمر، ولم يعد الرئيس رمزًا، ولم تعد السيادة سوى عبارة ميتة في كتب القانون الدولي.
رئيس جمهورية يُؤخذ من قصره، من مركز دولته، من قلب العاصمة، ويُنقل كما يُنقل لصّ عابر للحدود، لا لأن بلاده انهارت فجأة، بل لأن النظام العالمي قرر أن وقت الإهانة قد حان.
هذه ليست قوة هذه سادية سياسية مكتملة الأركان.
القوة تُحارب، أما السادية فتذل.
القوة تواجهك، أما السادية فتنتظرك حتى تجفّ، حتى تُحاصر، حتى تُفلس، حتى تتآكل من الداخل، ثم تدخل بلا مقاومة، لأن المقاومة تكون قد صُفِّيت مسبقًا باسم “العقلانية” و“تفادي الأسوأ”.
الصورة فاضحة، فنزويلا لم تُهزم عسكريًا، بل سُلِخت استراتيجيًا.
سنوات من العقوبات الأميركية، خنق مالي، تجفيف احتياطي، شيطنة إعلامية، شراء نخب، تفخيخ معارضة، ثم في اللحظة المناسبة تُضغط الزرّة، فينهار كل شيء في أقل من ساعة.
ليست المعركة في القصر، بل كانت في البنوك، في الموانئ،في السوق السوداء، في معدة المواطن، وفي شرف النخب التي باعت الدولة قطعة قطعة.
علينا أن نقولها بوضوح ،الديمقراطية هنا كذبة دعائية.
القانون الدولي ديكور مكاتب.
حقوق الإنسان عصا تأديب تُرفع على الضعفاء فقط.
أما الحقيقة العارية فهي أن العالم يُدار بمنطق العصابة الكبيرة
من يطيع يعيش، من يساوم يُحاصر، من يتمرّد يُخطف.
المشهد لا يحتمل تجميلًا
أميركا لم تعتقل مادورو لأنها تكره الدكتاتورية، بل لأنها تكره الاستقلال.
هي لا تطلب من الأنظمة أن تكون عادلة، بل أن تكون مطيعة.
وكل من صدّق غير ذلك فهو إمّا ساذج أو شريك.
انظروا إلى السعودية،حليف مطلق، لا أحد يسأل عن ديمقراطية ولا عن حقوق ولا عن حرب اليمن، لأن الرياض في الصف.
انظروا إلى مصر،دولة تُدار بالقبضة الحديدية، لكن لا مشكلة،لأن القاهرة تعرف حدودها.
انظروا إلى المغرب، استقرار مقابل ولاء استراتيجي، ملف الصحراء يُدار أميركيًا، ولا أحد يتحدث عن الديمقراطية إلا في المؤتمرات.
وفي المقابل، انظروا إلى كوبا، إيران، فنزويلا، كوريا الشمالية،روسيا، الصين
الجرم واحد، مهما اختلفت الأنظمة و هو رفض الانصياع الكامل.
الذنب ليس القمع، بل العصيان.
ليس الفساد، بل الاستقلال النسبي.
يا له من عصر نظيف، لا دماء في الشوارع، فقط رئيس يُسحب بهدوء.
يا له من عالم راقٍ،لا يحتاج إلى حرب، يكفيه بيان.
الرئيس الذي كان يُستقبل بالأناشيد صار ملفًا أمنيًا، والشعب الذي كان يُسمّى أمة صار جمهورًا صامتًا.
الأقذر من الفعل هو الاحتفال به.
احتفال الإعلام الغربي بـ“نهاية الطاغية”.
احتفال معارضات الخارج التي لم تُحرّر أوطانها، بل فتحت الأبواب للغريب.
احتفال مجتمع دولي يرى في الخطف “حلًا عمليًا”.
من التالي؟
وهنا السؤال الذي لا يريد أحد سماعه، لأن سماعه يعني الاعتراف بالحقيقة:
من التالي؟
هل كوبا حين يُقرّر البيت الأبيض أن الوقت مناسب؟
هل إيران إن تآكل الداخل أكثر؟
هل الجزائر إن حاولت الخروج عن السطر في الطاقة أو الأمن؟
هل العراق إذا تجرأ على قرار سيادي كامل؟
هل لبنان إذا صار عبئًا لا وظيفة له؟
هل تونس إذا ظنّت يومًا أن بإمكانها اللعب خارج الهامش؟
لا أحد محصّن.
الرؤساء الذين ينامون مطمئنين في قصورهم مخطئون.
الدساتير لا تحمي.
الجيوش المخترَقة لا تحمي.
الشرعية الانتخابية لا تحمي.
ما يحمي فقط هو ميزان قوة حقيقي،اقتصادي،عسكري،شعبي، وإلا فالدولة مجرد إدارة مؤقتة قابلة للإزالة.
ما جرى ليس درسًا لفنزويلا، بل إنذار أخير للعالم الثالث:
إمّا أن تكون دولة فعلًا، أو ستُعامل كملف.
إمّا أن تمتلك قرارك، أو سيُؤخذ منك بالقوة الناعمة أو الخشنة.
وإمّا أن تفهم اللعبة، أو ستستيقظ يومًا على خبر عاجل
رئيسك لم يعد في القصر.
عندها فقط، سيفهم الجميع أن ما سقط لم يكن مادورو،
بل آخر كذبة صدّقناها عن هذا العالم.
من يتمرّد يُخطف
2026-01-03
162 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال