ليس التهريب حادثة حدودية عابرة، ولا هو سلوك فقراء يبحثون عن لقمة عيش كما يُسوَّق له في خطابات التبرير الرخيصة.
بل هو بنية كاملة، عقل موازٍ للدولة، واقتصاد أسود له منطقه وقوانينه وأجهزته وشبكاته، وحين نعجز عن تسميته باسمه الحقيقي نكون قد شاركنا في جريمته.
التهريب في تونس، عبر الحدود مع الجزائر وليبيا، لم يعد مسألة سلع تعبر خلسة، بل صار منظومة شاملة لتقويض الدولة من داخلها، تبدأ من الصحة ولا تنتهي عند الأمن، تمر عبر الاقتصاد، وتستقر في السياسة، حيث تُشترى الذمم وتُدار البلاد من تحت الطاولة بينما الحكومة تتفرج من فوقها.
الحدود، في الجغرافيا، خط.
أما في واقع التهريب فهي شريان دم.
نفس المسالك التي تمر منها علبة سجائر تمر منها بندقية،ونفس السيارة التي تحمل كيس سميد تحمل مخدرا.
ونفس الوسيط الذي “يسهّل” العبور يسهّل دخول سلاح أو خروج إنسان.
هنا يسقط الوهم الكبير الذي يفصل بين التهريب والإرهاب.
الإرهاب لا يحتاج خطابات، يحتاج تمويلا، يحتاج نقلا،يحتاج إخفاء، يحتاج اقتصاد ظل يحميه.
والتهريب يوفر ذلك كله بسخاء.
كل شبكة تهريب ناجحة هي احتياطي استراتيجي لأي تنظيم عنيف، وكل دينار لا يمر عبر الدولة هو رصاصة مؤجلة في خاصرتها.
ثم يأتي الإرهاب الصحي، وهو أخطر من كل ما يُرى.
سلع غذائية مجهولة المنشأ، أدوية بلا رقابة، لحوم لا يعرف أحد أين ذُبحت ولا متى، مواد تجميل ومنظفات محمّلة بالسموم، تدخل الأسواق التونسية بلا فحص ولا محاسبة.
لا انفجارات هنا، لا دخان، فقط أجساد تُستنزف ببطء، كلى تتلف، أكباد تتآكل، سرطانات تتكاثر، ومنظومة صحية تُستنزف لعلاج ما كان يمكن منعه على الحدود.
هذا ليس خللا في الرقابة، هذا عدوان صامت، لأن من يهرّب مادة تضر بالصحة وهو يعلم، لا يختلف أخلاقيا عن من يضع السم في الماء.
التهريب ليس منافسة غير شريفة فقط، بل عملية اغتيال ممنهجة للسوق.
التاجر القانوني، الذي يدفع الأداءات ويحترم المواصفات ويشغّل العمال، يُترك وحيدا في مواجهة سلع أرخص لأنها لم تدفع شيئا ولم تحترم شيئا.
النتيجة معروفة، إفلاس، بطالة، توسع دائرة الفقر، ثم سؤال بريء في الإعلام لماذا يغضب الناس؟
يغضبون لأن الدولة سمحت لاقتصاد الريع أن ينتصر على اقتصاد العمل.
اقتصاد الريع لا يبني، لا يصنّع، لا يخلق قيمة، هو يعيش على الفوضى، وكلما ضعفت الدولة ازدهر، وكلما ازدهر ضعفت أكثر، حتى يصبح هو القاعدة والدولة استثناء.
وحين يتراكم المال بلا رقابة، يتحول إلى سلطة.
هنا تبدأ المرحلة الأخطر، مرحلة تغوّل المهرّب.
لم يعد مجرد ناقل سلع، بل صانع أسعار، متحكم في التزويد،قادر على خنق سوق أو إغراقها، على شراء صمت، أو تمويل حملة، أو حماية نفسه بولاءات صغيرة تتوسع بهدوء. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال اقتصاديا، بل سياديا.
من يحكم السوق يحكم القرار، ومن يحكم القرار لا يحتاج أن يظهر في صورة أو خطاب.
أما تهريب المواد المدعمة والمواد الخام فهو إعلان حرب صريح على الدولة.
حين تدعم الدولة السكر أو الدقيق ، ثم يُهرّب إلى الخارج،فإن الخزينة العامة تتحول إلى ممول مباشر للجريمة. وحين تُهرّب الأبقار والأغنام والفولاذ والنحاس، فإننا لا نخسر سلعة فقط، بل نخسر أمننا الغذائي والصناعي، ونحوّل الدعم الاجتماعي إلى أداة لإثراء شبكات لا ترى في تونس سوى منجم مفتوح.
وتصل الجريمة ذروتها في تهريب البشر.
الإنسان هنا يصبح بضاعة، تُنقل وتُكدّس وتُرمى، عبر نفس الشبكات ونفس الطرق ونفس الرشى.
أفارقة جنوب الصحراء يُنقلون كطرود، يُوزَّعون داخل البلاد،فتُخلق توترات اجتماعية، وتُضغط المدن، وتُستنزف الخدمات، بينما الدولة تبدو عاجزة عن الفهم قبل الفعل.
من يهرّب إنسانا اليوم، لن يتردد في تهريب سلاح غدا، أو مخدر بعد غد.
الأخلاق هنا انهارت بالكامل.
العنف، في كل هذا، ليس نتيجة عرضية.
السلاح المهرّب ينتشر، يصل إلى أيدي صيادين بأسلحة تفوق قدرتهم وخطرهم، يصل إلى الجريمة المنظمة، يرفع منسوب الدم في الشارع، ويحوّل الخلافات الصغيرة إلى مآسٍ.
هكذا تتآكل هيبة الدولة قطعة قطعة، لا بانقلاب، بل بتآكل بطيء، ذكي، ومربح.
لهذا، فإن محاولة فصل التهريب عن الإرهاب ليست خطأ تحليليا فقط، بل تواطؤ فكري.
الإرهاب ليس فقط من يفجر، بل من يهيئ الشروط، من يموّل، من يضعف الدولة، من يدمّر الصحة، من يسرق الخبز المدعوم، من يبيع السم للناس، من يحوّل الحدود إلى ثقوب. المهرّب، في هذا السياق، ليس هامشا، بل فاعل مركزي في تخريب الدولة.
الدولة التي لا ترى في التهريب سوى مشكلة أمنية، دولة لم تفهم شيئا.
التهريب قضية سيادة، قضية صحة، قضية اقتصاد، قضية أخلاق عامة.
وحين لا يُسمّى العدو باسمه، ينتصر.
هنا يجب أن يكون الموقف واضحا، بلا رومانسية اجتماعية ولا نفاق سياسي
المهرّب، في لحظتنا التاريخية، إرهابي وظيفي، حتى وإن لم يحمل قنبلة، لأنه يهدم ما تحاول القنبلة هدمه، ولكن ببطء،وبربح، وبابتسامة باردة.
التهريب و الإرهاب
2026-01-03
190 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال