بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عن معركة التجنيس وشيوخ الزيتونة

2025-12-30 352 قراءة مقالات بحوث أنس الشابي
نشر الأستاذ احميدة النيفر كتابا عنوانه "العالم والزعيم، المؤسّسة الدينيّة في تونس: سنوات الاحتضار" في حوالي 250 صفحة عن دار نماء للبحوث والدراسات سنة 2022، مصحوبا بصور لذوات ووثائق خطية ومطبوعة.

ينتسب احميدة النيفر إلى عائلة أنجبت عددا كبيرا من الشيوخ الذين مارسوا وظائف دينيّة كالتدريس والإفتاء والقضاء، وهو في كتابه هذا تناول بالتعريف جدّه للأب الشيخ محمد البشير النيفر ودوره في الحياة العامّة وصلته بالزعيم بورقيبة من خلال الوثائق التي توفّرت له بحكم القرابة العائليّة.

لا يخلو هذا الكتاب من فائدة فهو أوّلا يقدّم وجهة نظر فريق من الزيتونيّين من آل النيفر لم يكونوا على وفاق مع الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور شيخ الإسلام وقتها وثانيا يكشف موقفا مُضمرا لديهم كان وما يزال معترضا على ما قامت به دولة الاستقلال من إصلاحات في الميدانين الاجتماعي والسياسي، إلا أنّ هذا المؤلَّف شابته أخطاء من شأنها أن تُفسد الرؤية وتشوّهها لذا رأيت التدخّل لتصويب بعض ما ورد فيه خصوصا في مسألة التجنيس رغم أنّ قضايا كثيرة تحتاج إلى نقد وتدقيق كإعادة نشره لمواقف الشيخ المعادية للحكومة العلمانيّة وللأوقاف ولتوحيد القضاء ولغيرها ممّا عملت دولة الاستقلال على إنجازه في سنواتها الأولى وإغفاله الحديث عن مواقف الشيخ المناهضة للطاهر الحدّاد في كتابه "شمول الأحكام الشرعيّة لأوّل الأمّة وآخرها وهو شرح على باب (إنا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا) من كتاب التفسير من كتاب البخاري وفيه بحث مستفيض في أحكام المواريث وكلّ ما فضّل الله به الرجال على النساء ودفع الشّبه عن تعدّد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ردّا على ضلالات طاهر الحدّاد" المنشور في المطبعة السلفيّة في القاهرة(1) الذي لم يذكره احميدة إلا مرّة واحدة دون أيّ تعريف بمضمون يتناول قضيّة من أهمّ القضايا التي شغلت التونسيّين منذ ثلاثينات القرن الماضي إلى الآن، ومن الجدير بالملاحظة أنّ الحرب التي أعلنت على الطاهر الحداد استغلّها النيافرة لإعادة أحد شيوخهم وهو الشيخ محمد الصادق النيفر إلى القضاء، يقول عبد العزيز العروي: " ومن أجل هذه القضيّة أعادوا إلى الساحة سيّدي الصادق النيفر الذي كان قد اعتزل منذ زمن واليوم تقول الشائعات إنّهم يريدون إعادته إلى منصبه كقاض ومهّدوا للرأي العام ذلك بخطبة صاخبة في الجامع الأعظم، حيث هاجم كتاب الحدّاد بشدّة متقمّصا دور المدافع الغيور عن الدين. ولكن خطبته لم تلق إلا السخرية، فبدلا من أن يثير الإعجاب أثار الشفقة على حال رجل تائه كانت موعظته بمثابة مرثيّة لنفسه حتى إنّ عودته إلى القضاء لو تمّت لما كانت لتثير سوى الضحك لأنّ الناس صاروا يرونه أضحوكة"(2).
إنّ عداوة النيافرة للطاهر الحدّاد التي نجدها لدى الشيوخ الصادق والبشير ومحمد الصالح وحديثا احميدة ليست إلا الوجه الظاهر لعداوتهم لقيم العصر أو ما اصطلح على تسميته بالحداثة والتنوير، ففي خطاب للزعيم الحبيب بورقيبة نشرته جريدة الصباح بتاريخ 10 فيفري 1961 تحدّث عن علاقة الشيخ الصادق النيفر بالسلطات الاستعماريّة، فقد أرسل هذا الأخير مكتوبا إلى المسيو روا الكاتب العام والوزير المفوّض يطلب فيه تعيينه في المجلس المختلط ختمها بقصيد رأيت من المفيد إيراده كاملا لأنّه لم ينشر إلا في جريدة الصباح، قال الشيخ الصادق النيفر:
يَحيا عُلاك مُتْـمَتَّعًا بالعافيةِ**يا مَن سَما فَوقَ العُقولِ الساميةِ
يا أيُّها الشهمُ الأشمُّ ومَن غدت**تُجبى لهُ من كلِّ فَجٍّ راغِبَةِ
أنى لِمُمثِّلِ قومي أن يكونَ لغيرِكم**في ذا المُهِمِّ وسيلةٌ أو داعيةِ؟
مِسيو رِوَا يا من روى بِذَكائِه**دَرْسَ الحقائقِ والشؤونِ العاليةِ
سُسْتَ الأمورَ بحِكمةٍ ورصانةٍ**هيهاتَ أن تَرضى بغيرِكَ ثانيةِ
يا من إذا ريبُ الزمانِ رمى فتىً**كنتَ الطبيبَ لِسُقمِهِ والعافيةِ
لك في القلوبِ وفي المنازلِ كلِّها**ذِكرٌ يُردَّدُ بالمزايا الضافيةِ
فَلَكُم فضائلُ من يمينِكَ غَرستَها**أضحتْ ثمارُ الفخرِ منها دانيةِ
ولَكُم صَنَعتَ مِنَ الجميلِ وكم لكم**في المكرماتِ من العيونِ الجاريةِ
إني وقفتُ أمامكم أتلُو الثناءَ**لِحَقّي صُنعٍ مِنْ أيادٍ ناشِيةِ
إني وقفتُ ولستُ أقضي حقَّكم**بِطويلِ نثرٍ أو نظامِ القافيةِ
مُتَشَكِّرًا واللهُ يُجْزِلُ أجرَكم**بمديدِ عمرٍ في الثيابِ الوافيةِ
مُتَرَنِّمًا في كلِّ ذرّةِ شارقٍ**يَحيا عُلاكَ مُتْمَتَّعًا بالعافيةِ
قاله بفمه وكتبه بقلمه عبد إحسانكم محمد الصادق النيفر"
وبما أنّ تناول كلّ هذه المسائل بالبحث يحتاج إلى فضاء أوسع اكتفيت بدرس مسألة التجنيس كما وردت في كتاب "الزعيم والعالم" خصوصا لمّا نجد أنّ المؤلِّف تعمّد تشويه موقف شيوخ الزيتونة وتصنيفهم في خانة عملاء الاستعمار للإيحاء بأنّ جدّه للأب مثّل الخطّ الوطني مقابل الخطّ اللاوطني الذي انخرط في الحداثة، قال: "يرمي الكتاب إلى إحياء ذكرى شخصيّة الشيخ محمد البشير النيفر وجهوده العلميّة والوطنيّة وهو في الوقت ذاته يبرز استحقاقات جيل من الزيتونيّين الذين غُمِط حقّهم في الإسهام في المشروع الإصلاحي التونسي، بهذا المعنى يكون إحياء ذكرى الشيخ شهادة على قرار لا وطني انخرط فيه المشروع التحديثي في تونس"(3)، أمّا مقدّم الكتاب محمد ضيف الله فإنه يتجاوز الإشادة بالبشير واتّهام باقي شيوخ الزيتونة إلى نوع ممجوج من الإطراء للعائلة النيفريّة لا سند له يقول: "والأكيد أنّ الشيخ محمد البشير النيفر ما كان ليجد الشجاعة والجرأة كي يتدخّل لدى كبار المسؤولين لولا ماضيه الشخصي والعائلي في مقاومة الاستعمار... أفتى الشيخ محمد البشير النيفر نفسه بحرمة تجنّس التونسي بالجنسيّة الفرنسيّة، وكان لهذه الفتوى دورها في إذكاء الحراك الشعبي والحطّ من الفتوى الممالئة للسلطات الاستعماريّة التي أصدرها المجلس الشرعي"(4)، ردًّا وتصويبا أقول.

التجنيس
مرّت بلادنا بمحنة التجنيس التي عمل فيها الاستعمار على محاولة تغيير التركيبة السكانيّة والثقافيّة والحضاريّة للبلاد من خلال تمكين ضعاف النفوس من بعض المنافع الماديّة مقابل التخلي عن جنسيّتهم التونسيّة وتبعيّتهم للوطن الذي آواهم وآوى أسلافهم، لم تمرّ هذه المحاولة في صمت بل شنّها الشعب حربا لا تُبقي ولا تذر شاركت فيها كلّ الفئات والتنظيمات والجرائد والمجلات رافعة شعار تكفير المتجنّسين وطردهم من الدائرة الوطنيّة، في هذه المسألة بالذات يقول احميدة النيفر: "تأكّدت هذه الوجهة (يقصد الوجهة الوطنيّة) بعد ذلك خاصة مع فتوى الشيخ محمد البشير النيفر القاضي بحرمة تجنّس التونسي بالجنسيّة الفرنسيّة سنة 1933 الموقّعة من أخيه الشيخ إبراهيم النيفر، برز هذا الدعم العائلي المعلن من قبل ابني عمومته المدرّس الشيخ أحمد المهدي النيفر والشيخ محمد الصالح النيفر لقد عبّرا عن رفضهما لِما أفتى به بعض شيوخ الزيتونة بقبول فتوى المتجنّس تأييدا للحكومة وموالاة للسياسة الاستعماريّة"(5)، هذه الفتوى سلّمها الشيخ البشير إلى الشيخ محمد الصالح فنُشرت في جريدة لاكسيون سنة 1933 وفق ما ذكر المؤلّف(6)، غير أنّ هذه الرواية النيفريّة يلفّها الكثير من الغموض وتحتاج إلى المزيد من التدبّر والتمحيص ولا يمكن أن يطمئنّ لها القارئ إلا بعد الإجابة عن جملة من التساؤلات أوردها فيما يلي:

1) أيام وقعت أحداث التجنيس كان الشيخ البشير النيفر حاكما في المجلس العقاري المختلط منذ سنة 1929 إلى أن عُيِّن مفتيا سنة 1940 أي أنّه أيّامها كان متحمّلا لوظيفة شرعيّة رسميّة، علما وأنّه طوال هذه الأحداث لم يصدر عن أيّ جهة دينيّة رسميّة موقف من التجنيس، جاء في جريدة العصر الجديد: "طالما استفتينا على صفحات جريدتنا وفي نفس هذا المكان المفتين الرسميّين ببلادنا عن حكم الله في التجنّس وطالما رغّبناهم ورجوناهم في التفضّل بالجواب وبلغ بنا الرّجاء إلى التوسّل والتذلّل وناديناهم يا علماءنا الأعلام يا مصابيح الظلام ويا حماة الملّة ورجال الدين وطالما ترقّبنا الجواب أسابيع وشهورا فلم يتفضّل علينا واحد منهم بكلمة ننشرها بيانا وبلاغا للنّاس"(7)، وسبب ذلك يعود إلى أنّ الشيوخ الرسميّين لا يتبرّعون بالإفتاء أو إبداء الرأي بل يكتفون بالإجابة إن سئلوا، وهو ما يفسّر خشية الشيخ البشير من نشر فتواه في الجرائد العربيّة اللّسان في ذلك الوقت وهي الخشية التي عبّر عنها الشيخ محمد بن يوسف في قوله لأحمد توفيق المدني لمّا دعاه صحبة عثمان الكعاك إلى إصدار فتوى في الموضوع: "نقول لكم إنّه ردّة لا ريب في ذلك إنّما لا نستطيع إطلاقا وبأيّ صفة من الصفات إعلان ذلك لا قولا ولا كتابة فالتهديد الذي صدر منهم قاس شديد ونحن لا نستطيع أن نتمرمد في آخر عمرنا"(8) ومن الجدير بالملاحظة أنّه وإن لم تكن هنالك فتوى رسميّة في كفر المتجنّس فإنّ بعض الشيوخ تطوّعوا بإصدارها من ذلك فتوى الشيخ أحمد عياد التي نشرها في جريدة الأمّة العدد 50 بتاريخ 4 أفريل 1923(9) أو إدريس الشريف الذي أفتى بتاريخ 31 ديسمبر 1932 بأنّ المتجنّس مُدان يُمنع دفنه في مقابر المسلمين وكان الشيخ مدعوما بالمناضل الدستوري محمد الحبيب بوقطفة(10)، والمستفاد ممّا ذكر أنّ الشيخ البشير كتب فتوى في المسألة ولكنّه لم ينشرها وأبقاها في أضابيره مُسوَّدة إلى أن نشرها حفيده بعد تغيّر الأوضاع السياسيّة سنة2011.

2) نشر المؤلّف صورا من كرّاس مخطوط للشيخ وبالتثبّت تبيّن أنّ الفتوى موجودة فيه وبعدها مباشرة دون أن يكون هنالك فاصل بينها وبين وما تلاها حديث للشيخ البشير عن أسفاره قال: "سافرت إلى الحجاز ستّ مرات أولاها سنة 53 بقصد الحجّ والاعتمار....."(11)، وهو ما يفيد أنّ الفتوى المشار إليها كتبها الشيخ لنفسه ضمن أشياء أخرى إبراء للذمّة أمام الله ولم تكن مستقلّة مُبيَّضة تمهيدا لنشرها.

3) ذكر المؤلّف أنّ الفتوى نُشرت مترجمة في جريدة لاكسيون وهو قول غير صحيح البتّة لِما يلي:

أ- النصّ المنشور بالفرنسيّة في جريدة لاكسيون لا علاقة له بالفتوى المنشورة في الكتاب لِما يلي:
* المصادر المعتمدة في كليهما مختلفة، ففي الفتوى التي نشرها الحفيد اعتمد الشيخ على الإبياني وابن شاس ومسلم ومختصر خليل والشفاء للقاضي عياض وابن حجر وحُكما من المجلس المالكي أمّا الفتوى المنشورة في جريدة لاكسيون فقد اعتمد فيها صاحبها على الجصّاص وأبو بكر بن العربي والبيضاوي فقط.
* انفرد صاحب الفتوى المترجمة باستعمال مصطلحي المنافق والزنديق الذين لا نجدهما في فتوى الشيخ البشير لأنّه استخدم مصطلحي الكفر والردّة الأبلغ في الدلالة.
* بنية الفتوى النيفريّة مغايرة لِما نُشر مترجمًا في الجريدة.
* استناد فتوى الشيخ البشير إلى حكم صادر عن المجلس المالكي بحرمان المتجنّس من ريع الوقف وهو حكم لا نجده في الفتوى المترجمة.

ب- فتوى التجنيس في الأصل موجّهة إلى التونسيّين ويقتضي الحسّ الوطني نشرها في جريدة عربيّة يقرأها التونسيّون حتى تلامس أكبر عدد منهم ولا معنى لنشرها في جريدة ذات لسان فرنسي وإن كانت جريدة وطنيّة لأنّ المستهدف هو عموم الناطقين باللّسان العربي وهم الأغلبيّة.
ت- نشر المؤلّف صورة من الصفحة الأولى من جريدة لاكسيون وكتب تحتها "صورة لصحيفة العمل التونسيّة التي نشرت سنة 1933 فتوى الشيخ النيفر الرافضة لتجنيس التونسيّين بالجنسيّة الفرنسيّة" متعمّدا إخفاء تاريخ صدورها بحذفه من أعلى الصفحة الأولى من الجريدة وهو الرابع من شهر ماي 1933.

والمستفاد ممّا ذكر أنّنا إزاء نصّين أحدهما عربي مستلّ من كرّاس مُسوَّدات به نصوص أخرى وليس بالنصّ المستقلّ الذي يصحّ وصفه بالفتوى والثاني بالفرنسيّة قد يكون ترجمة لفتوى لم تصرّح الجريدة باسم صاحبها ولكنّها قطعا ليست بفتوى الشيخ البشير لِما ذكرنا أعلاه.
لمّا لم تتمكّن السلطة الاستعماريّة من الحصول على فتوى تبيح التجنّس رغم محاولاتها اتجهت إلى سؤال المجلس الشرعي بشقّيه المالكي والحنفي بعد استشارة ونصيحة الوزير الأكبر الهادي الأخوة، وكان نصّ السؤال كالتالي: "إذا اعتنق شخص جنسيّة يختلف تشريعها عن أحكام الشريعة الإسلاميّة ثم حضر لدى القاضي الشرعي ونطق بالشهادتين وأعلن أنّه مسلم ولا يرتضي غير الإسلام دينا، هل يحقّ له طوال حياته أن يتمتّع بنفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المسلمون؟ وهل يحقّ له بعد وفاته أن يُصلّى عليه صلاة الجنازة وأن يدفن في مقبرة إسلاميّة"(12)، وبيّن أنّ نصّ السؤال هو عن توبة المتجنّس وليس عن فعل التجنّس، لذا فهو لا يحتمل إلا جوابا واحدا بنعم لأنّ باب التوبة كما جاء في الحديث النبوي: "مفتوح ولن يغلق حتَّى تطلعَ الشَّمسُ من مَغربِها في آخرِ زمانِ الدُّنيا"، غير أنّ هذه الحيلة لم تنطل على المالكيّة من شيوخ المجلس الذين اشترطوا كما ذكر ذلك المقيم العام مونصرون في رسالة وجّهها إلى وزير خارجيّة فرنسا: "بأنّه يتعيّن على المتجنّس عند حضوره لدى القاضي لا فقط النطق بالشهادتين بل أيضا التصريح في نفس الوقت بأنّه يتخلّى عن الجنسيّة التي اعتنقها... وزاد أحد أعضاء المجلس من المالكيّين (الشيخ محمد العزيز جعيط) على ذلك قوله ينبغي أن تتمثّل توبة المتجنّس في الإقلاع عن الامتيازات التي تحصّل عليها بموجب الجنسيّة الجديدة"(13) وهو ما دفع بالمقيم العام في مراسلته المؤرّخة في 29 أفريل 1933 التي نشرها المؤرّخ حمادي الساحلي بعد الإفراج عنها من الأرشيف الفرنسي سنة 1983 إلى أن يقول بأنّ: "المحاولة التي قمنا بها لتسوية تلك القضيّة وفقا لتعليماتكم بمقتضى فتوى شرعيّة صادرة عن رجال الشرع قد باءت بالفشل والحال أنّه كان من المفروض أن تُفضي بنا تلك المحاولة إلى حلّ معقول وكامل الشروط"(14)، هذا التقرير الذي رفعه المقيم العام إلى وزير خارجيّة فرنسا يدحض بجلاء الأكاذيب التي تُروّج عن إفتاء شيوخ الزيتونة بالتجنيس وهي الاتهامات التي أورد بعضها احميدة النيفر في كتابه حيث برأ جدّه واتّهم الآخرين خصوصا منهم العاشوريّين كتب يقول: "مع وفيّات متجنّسين آخرين حصلت قلاقل ومظاهرات رافضة للتجنيس ومندّدة بالفتوى التي يقال إنّ سؤالها حرّره الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور شيخ الجامع الأعظم"(15) مضيفا إلى ذلك أنّ قريبيه الشيخ أحمد المهدي ومحمد الصالح النيفر: "عبّرا عن رفضهما لِما أفتى به بعض شيوخ الزيتونة بقبول فتوى المتجنّس تأييدا للحكومة وموالاة للسياسة الاستعماريّة"(16) مستندا في ذلك إلى الموسوعة التونسيّة وهي موسوعة مشكوك في قيمتها العلميّة(17) ويجب التعامل معها بحذر شديد لأنّ ما بها من فصول تعتوره الأخطاء والأوهام وحتى الأكاذيب من ذلك الادعاء بأنّ شيوخ الزيتونة أفتوا بالتجنيس وهو اتهام ظالم ولا تاريخي.

والمستفاد ممّا ذكر أنّ المواقف الصادرة عن شيوخ الزيتونة في مسألة التجنّس تندرج ضمن طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة الرسمية والشيوخ بصنفيهم الرسمي والمستقلّ وهو أمر نتلّمسه في كلّ المسائل الدينيّة التي تعرض للمجتمع ففي مسألة التجنيس ظهر موقفان يؤدّيان إلى نفس النتيجة ولكن بأسلوبين متغايرين هما:

1) موقف المؤسّسة الدينيّة الرسميّة المستشار الديني للسلطة البارحة واليوم، وعلى هذا الأساس فهي لا تبدي رأيها إلا في المسائل التي تعرضها عليها السلطة من ذلك مثلا في مسألة التجنّس لم يكن جوابها التكفير بل التضييق في قبول توبة المتجنّس مشترطة ما يمنع تحقّقها بإطلاق وهو ما تفطّن له المقيم العام الذي رمى جانبا موقف المجلس الشرعي لأنّه لا يخدم سياسته، وحديثا حاولت دولة الاستقلال استصدار فتوى تبيح الفطر إن توقّع الصائم المشقّة المؤدّية إلى إخلاله بالعمل ولكن المفتي أيّامها الشيخ محمد العزيز جعيط ذكر الأعذار المبيحة للفطر وليس من بينها المشقّة المتحدّث عنها ولمّا "استوضح المذيع من الشيخ تحليل عبارة الأمور الأخرى المبيحة للفطر والتي لم يرد ذكرها مفصّلة؟ أجاب: أريد بذلك المشقّة الغير العادية في حصول الصوم أي الزائدة التي يوجد منها ألم أو يتوقّع حصول الضرر"(18)، أمّا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عميد الجامعة الزيتونية فقد امتنع عن الجواب بحجّة أنّ: "هذه مسألة دقيقة تحتاج إلى فرط تمحيص فلا يمكن الجواب عنها بصفة كلية"(19) وهو ما يعني أنّ المؤسّسة الدينيّة الرسمية قديما وحديثا تتصرّف وفق ضابطين اثنين لا ثالث لهما:

* أوّلهما المحافظة على الإرث الديني في كلياته وأحكامه القطعيّة وعدم الخروج عنه.
* وثانيهما الابتعاد عن كلّ ما يمكن أن يصادم السلطة أو يضعها في موضع الخصم أو المعترض ولعلّ التجنّس والفطر في رمضان يؤكّدان هذا المعنى.

2) أمّا بالنسبة للفتاوى التي يتطوّع بها شيوخ لا يرتبطون بالمؤسّسة الدينيّة الرسميّة فإن فتاواهم تبقى في دائرة الرأي الحرّ لأنّها أوّلا لا تحمل أيّ إلزام للسلطة وإن كانت مستجيبة لأكثر العواطف الشعبية المنفلتة من أي عقال كما هو الحال بالنسبة للتجنّس ولأنّها ثانيا غير قابلة للتطبيق وإن مالأت السلطة طالما لم تحصل على الموافقة من المؤسّسة الدينيّة الرسميّة وأبرز الأمثلة على ذلك فتوى الشيخ محمد المهيري الذي اعتبر أنّ العمل الشاقّ مبيح للفطر في رمضان(20).

هوامش
1) أعاد الأستاذ فتحي القاسمي نشر الكتاب في: "ثلاثة كتب في الردّ على الطاهر الحدّاد" نشر دار سراج، تونس 2014، صص323-395.
2) "موقف اليهود التونسيّين من الطاهر الحدّاد وكتابه امرأتنا بين الشريعة والمجتمع" محمد المي، المطبعة المغاربيّة للطباعة والإشهار، تونس 2025، ص35.
3) الزعيم والعالم ص18.
4) المصدر السابق ص11.
5) المصدر السابق ص53 و54، نفس الرواية بشيء من التفصيل توردها أروى النيفر في كتابها عن والدها الشيخ محمد الصالح النيفر المطبوع سنة 2007 في الجزء1 ص187 وفي الجزء2 ص13.
6) المصدر السابق ص87 .
7) جريدة العصر الجديد العدد 136 بتاريخ جمادى الأولى 1342 الموافق 15 ديسمبر 1923.
8) "حياة كفاح، مذكّرات" أحمد توفيق المدني، الشركة الوطنيّة للنشر والتوزيع، الجزائر 1976، الجزء1 ص281.
9) "الشعب التونسي والتجنيس" الجيلاني الفلاح، مطبعة العرب تونس 1924، ص109-113.
10) "بنزرت عبر التاريخ" أعمال الندوة السنويّة التاريخيّة لمدينة بنزرت دورتا سنة 1993 وسنة 1994، نشر جمعية صيانة المدينة بنزرت، طبع المطابع الموحّدة مجموعة سراس، تونس 1996، ص55 و93، انظر كذلك نص الفتوى في "رجالات من زمن الكفاح، محمد الحبيب بوقطفة، حسن النوري، الشيخ إدريس الشريف"، حمّادي بن حمّاد، أليف منشورات المتوسط، تونس 2004، ص40 و46 و47.
11) انظر الصفحة المخطوطة مصوّرة في الزعيم والعالم ص91.
12) "البيئة الزيتونيّة 1910-1945، مساهمة في تاريخ الجامعة الإسلاميّة التونسيّة" مختار العياشي، تعريب حمادي الساحلي، دار التركي للنشر، تونس 1990، ص270.
13) المصدر السابق ص170 و273.
14) المصدر السابق ص276.
15) الزعيم والعالم ص86.
16) المصدر السابق ص54.
17) انظر "زيتونيّون معاصرون في خضم معارك التنوير (1924-2013)" أنس الشابي، أركاديا للنشر والتوزيع، تونس 2025، فصل "الموسوعة التونسيّة حشف وسوء كيل"، صص159-187.
18) "الفتاوى التونسيّة في القرن الرابع عشر الهجري" محمد بن يونس السويسي، مخطوط أطروحة لنيل شهادة الدكتورا في الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، تونس 1986، الجزء2 ص694.
19) جريدة الصباح العدد 2335 بتاريخ 14 فيفري 1960.
20) جريدة الصباح العدد 2340 بتاريخ 20 فيفري 1960.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال