في زمن الضعف والتخلف والتراجع تظهر مصداقية هذا الحديث النبوي واضحة جلية: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت" ...رواه أحمد وأبو داود.
الحديث يصف حال الأمة حين تفقد الفاعلية، لكنه لا يقتصر على التوصيف بل يدعو ضمنا إلى تجاوز هذه الحال والانخراط في مسار التقويم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة ويبين لها مكامن الضعف لتعالجا فتغير حالها وتصلح شأنها، ذلك أن حال الضعف يغري الأمم الأخرى فتتداعى على الجسم الضعيف أي تجتمع عليه من كل حدب وصب، في شكل المشروع الصهيوني الاستعماري، والفارسي الشيعي، والهندوسي البغيض وغيرها، ولفظ "الأمم" الوارد في الحديث لفظ دقيق كأنه يشير إلى زماننا بالضبط وإلى "الأمم المتحدة"، تلك المنظمة التي غدت جزءا من التكالب على الكيانات الضعيفة وعلى رأسها المسلمون، لأنهم غثاء، والغثاء ما لا وزن له، فهو رغوة ظاهرة لا بقاء لها ولا نفع منها، وهذا وصف نبوي دقيق لحال الضعف والعجز.
إن الوجه الآخر للحديث – وهو مقتضاه ولازمُه لمن يعرف الأدبيات النبوية في التربية والتوجيه – هو الإشارة إلى ضرورة استرجاع الأمة لأهم عنصر يرفع القيمة وهو الفاعلية، والفاعلية تعني القدرة على إحداث أثر أو تحقيق نتيجة قوية بأقل الوسائل، وقد أشار إليها القرآن الكريم فقال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُون"، في ظل الإسلام ونموذجه الرفيع الذي يمزج الإنسانية بالربانية يبلغ عطاء المسلمين عشرة أضعاف عطاء غيرهم إذا تحلوا بالصبر، أي القدرة على تحمّل المشاق بكل أنواعها من البحث العلمي إلى الجهاد في سبيل الله، ونقيض هذا هو جني الثمار بأقلّ الجهد، لذلك يعمد المستعجلون إلى الربح السريع بواسطة تجارة المخدرات ونحوها، ثم يقول تعالى: ". الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
...فجعل الحد الأدنى في عطاء المسلمين ضعف عطاء غيرهم، وقد تحقق هذا في مجال الجهاد والعمران منذ العهد النبوي والخلافة الراشدة إلى أواخر الدولة العثمانية حين سرى الضعف وغلب على جسم الأمة وانعكس على أدائها فبلغ الحضيض.
بلغنا هذا المستوى الرفيع من الأداء في جميع المجالات حين كان الإسلام مرجعيتنا العليا، وحين كنا أمة واحدة قوية مهابة الجانب، فأين نحن من قول رسول الله "نصرتُ بالرعب"؟ أجل، نُزعت المهابة من قلوب أعدائنا وقُذفت في قلوبنا فأصابنا الرعب الشديد من كمشة من اليهود استباحوا أراضينا وانتهكوا حرماتنا وقتّلونا تقتيلا، لماذا؟ لأننا فقدنا أهليه البقاء فضلا عن التمكين فغيّر الرعب مكانه، لكن لدى الأمة عامل لا يملكه غيرها هو القدرة على النهوض بعد كبوة والرجوع بعد فرّة، وقد استرجعت قواها ودحرت التتار والصليبيين في الزمن الماضي لأن فيها بقية من الحكام والعلماء في المستوى، لكن المشكلة اليوم أن معظم الحكام لا يبالون بقضايا الأمة لأنهم أبناء المنظومة الغربية، وأكثرهم في السلطة بفضل الحماية الأمريكية والصهيونية، لذلك يعنيهم الكرسي قبل كل شيء، وهذا هو الوهن الذين فسر به الرسول صلى الله عليه وسلم حال الأمة، وعندما يكون الحكام بهذه المواصفات ينسج أغلب المسلمين على منوالهم، والناس على دين ملوكهم كما أثبت علم الاجتماع السياسي، ويكون الانفصام بين القيم والسلوك الجماعي، وتضيع البوصلة العامة وينتهي الأمر إلى غثاء السيل، لكن لله قائمين بالحجة في كل زمان ولا إخالهم الآن إلا المجاهدون والمرابطون في غزة، فقد أحيوا سيرة السلف وأثبتوا للأمة أن الاستفاقة ممكنة، وبينما معظم المسلمين مع مشاكل البقاء على الحياة، والترفيه، وانتشار ظاهرة المهلوسات والمخدرات، أعلن هؤلاء تمردهم على الاستكانة، وكان ينبغي أن نفهم الدرس، والبداية تكون بعدم التهرب من الواقع الماثل أمامنا، حيث حولتنا لعلمانية إلى دنياويين بالكامل، حتى إن مهمة الدولة عند المسلمين كما عند غيرهم هي الدنيا فقط، ولهذه الرؤية تأثيرها على التربية والتعليم والإعلام والاجتماع، بينما وظيفة الدولة في الإسلام هي حراسة الدين وتسيير شؤون الدنيا بشرع الله...بهذا يزول الوهم، وتعود لنا المهابة.
عبد العزيز كحيل
إلى متى نبقى كغثاء السيل؟
2025-12-23
474 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال