مقدمة
يشهد المشروع السياسي الإسلامي في العصر المعاصر أزمة متعددة المستويات، تجمع بين الكسل السياسي، الانكماش الفكري، والتحديات الخارجية. العقل السياسي الإسلامي يتوخى الحذر من الهجمة اليمينية المتطرفة على كل أشكال الإسلام السياسي، ما يفرض مقاربة احترازية في التفكير والتحرك، ويحول أحيانًا دون اتخاذ المبادرات الاستراتيجية الجذرية
في المقابل، يظل العقل الغربي رهينًا لمصالحه الذاتية، عاجزًا عن فهم عمق الحالة الإسلامية، ومرنًا في التعامل مع الواقع حين تخدم مصالحه. هذا التناقض يجعل العقل السياسي الإسلامي بين مطرقة الحذر الدفاعي وسندان السردية الغربية، ما يؤدي إلى أزمة فكرية منهجية وأزمة فاعلية عملية
الكسل السياسي والتحفظ الاستراتيجي
مظاهر الكسل السياسي
التحفظ والانكفاء كآلية دفاعية أمام الضغوط الداخلية والخارجية
الاعتماد على مقاييس ومفاهيم غربية جاهزة لتفسير الواقع الإسلامي، مراعاةً لاحتمال التشويه أو الاستهداف السياسي
التركيز على النقد والتحليل بدل صياغة حلول عملية قابلة للتطبيق
أثر الحذر من الهجمة الغربية
تولّد الهجمات اليمينية المتطرفة في العقل السياسي الإسلامي توترًا دائمًا، يفرض سياسات تحفظية غالبًا ما تتجاوز الحد المعقول، فتتحول هذه السياسة إلى تقوقع فكري وكسل سياسي، يعيق استجابة المشروع الإسلامي للتحديات الداخلية، ويحد من قدرته على المساهمة الفاعلة في الواقع السياسي
أزمة العقل الحزبي التقليدي
غالبًا ما يظل العقل السياسي الإسلامي أسيرًا للمنطق الحزبي التقليدي
قيادة مركزية جامدة
خطاب أيديولوجي مركزي يركز على التعبئة أكثر من التخطيط الاستراتيجي
اتخاذ قرارات غالبًا انفعالية وهياكل تنظيمية جامدة
في مقابل ذلك، أصبحت الأحزاب الحديثة مراكز بحث واستشارات استراتيجية، تعتمد على التحليل الميداني، البيانات، الدراسات المقارنة، والخطط المستقبلية، مع ربط السياسة بالمجتمع المدني
غياب هذا التحول يعمّق الكسل السياسي ويضاعف الحذر الخارجي، ما يجعل المشاريع الإسلامية أقل قدرة على الفاعلية
نقد العقل الغربي
العقل الغربي، رغم هيمنته، يظل مقيّدًا بمصالحه الذاتية
عاجز عن فهم الديناميات الداخلية للحالة الإسلامية، ويقيسها غالبًا وفق أطر أيديولوجية وسياسية جاهزة مسبقًا
مرن مع الواقع الميداني عند الحاجة لتثبيت مصالحه، سواء عبر التحالفات الإقليمية أو دعم فاعلين محليين
هذه المعضلة تجعل تبني السردية الغربية من قبل العقل السياسي الإسلامي مأزقًا مزدوجًا: التشويه الواقعي، وتقييد الاجتهاد المحلي
التجربة المعاصرة: نماذج فاعلة
حركة حماس
دمجت بين الخطاب الإيديولوجي والتحليل الواقعي للواقع المحلي، فتمكنت من الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية، واستثمار مرونة الميدان لصالحها
نجاحها يوضح أن العقل السياسي الإسلامي قادر على الفاعلية إذا جمع بين الفكر والإستراتيجية العملية
تجربة أحمد الشرع
ركّز على البحث الميداني والتخطيط الاستراتيجي المحلي، مع مراعاة الحذر من الهجمات الغربية المتطرفة
أثبت أن العقل السياسي الإسلامي قادر على إنتاج حلول عملية قابلة للتطبيق إذا تحرر من الهياكل التقليدية الجامدة واعتمد المنهجية العلمية
هاتان التجربتان تؤكدان أن التحول إلى عقل سياسي استراتيجي مستقل، مرن، ومستنير بالبحث العلمي المحلي، هو الشرط الأساسي لإعادة الفاعلية للمشروع الإسلامي
آثار الأزمة
. شل القدرة على الفعل المحلي نتيجة الكسل والتحفظ المفرط.
. ضعف التأثير الاجتماعي والسياسي بسبب الهياكل التقليدية والخطاب الجامد.
. تكرار النقد الغربي دون ابتكار حلول، مما يعمّق التسليم بالعجز.
. أزمة الهوية السياسية: تصور المشروع الإسلامي كمشروع نظري غير قادر على التغيير
سبل الخروج
. استقلالية منهجية وفكرية: تحليل الواقع وفق خصوصيات الإسلام والمسلمين، مع اعتماد البحث الميداني والمقارنة التاريخية.
. تحويل الأحزاب إلى مراكز بحث استراتيجية: فرق متخصصة لتحليل البيانات ووضع السياسات وربطها بالمجتمع المحلي.
. إعادة هيكلة عقلية القيادة: المرونة، التخصص، والقدرة على الابتكار بدل الهياكل الجامدة التقليدية.
. ابتكار حلول سياسية واقعية: العمل ضمن الواقع الديكتاتوري والمجتمعي مع مراعاة الهجمات الخارجية دون الانغماس في الخوف المفرط
خاتمة
أزمة المشاريع السياسية الإسلامية ليست إخفاقًا تنظيميًا فحسب، بل أزمة عقلية وفكرية منهجية. الكسل السياسي، الحذر من الهجمات اليمينية المتطرفة، والتبعية الفكرية للسرديات الغربية، يقترن بفشل العقل الغربي في فهم الحالة الإسلامية، رغم مرونته الظاهرية مع الميدان وفق مصالحه
الحل يكمن في عقل سياسي استراتيجي مستقل، متجذر في الواقع المحلي، قادر على الابتكار والموازنة بين المبادئ الفكرية والواقع العملي، وواعي للتهديدات الخارجية دون الانغماس في الخوف المفرط، مستلهمًا الدروس من التجارب الناجحة مثل حماس وأحمد الشرع
هذا النهج يعيد الفاعلية للمشروع الإسلامي، ويؤسس منهجية نقدية فلسفية متوازنة، تجمع بين الواقعية السياسية والمرجعية الفكرية الإسلامية، قادرة على مواجهة تحديات العصر
أزمة المشاريع السياسية الإسلامية: الكسل السياسي، الحذر الخارجي، ونقد العقل الغربي
2025-12-22
349 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال