بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الساحة إذا تُركت بل عقل،لا تُنقذ المدينة، بل تلتهمها ببطء، وبالهتاف نفسه الذي يعلن السيادة.

2025-12-18 618 قراءة مختلفات عماد عيساوي
لم تكن أثينا، حين اخترعت الديمقراطية سنة 508 قبل الميلاد، تفكّر في البشرية ولا في المستقبل ولا في الكتب المدرسية التي ستُكتب بعدها بقرون، بل كانت مدينة مذعورة من عودة الأرستقراطية، مدينة خرجت تواً من طغاة، وتخشى أن تعود السلطة إلى العائلات الكبرى، فقرّر كليستينيس، بدهاء سياسي أكثر منه عبقرية فلسفية، أن يكسر احتكار الحكم لا ببناء نظام حكيم، بل بإغراق الساحة بالعامة، معتقدًا أن الكثرة إذا تحرّكت ستسحق الامتياز، وأن العدد إذا تحالف سيمنع الاستبداد، دون أن يخطر بباله أن العدد نفسه قد يتحوّل إلى أداة استبداد جديدة، أكثر فوضوية، وأقلّ مسؤولية.
وهكذا وُلدت الديمقراطية لا كقيمة أخلاقية، بل كـآلية صراع،لا كحكم الأفضل، بل كحكم من يرفع يده أسرع، ومن يصرخ أعلى، ومن يملك وقتًا للجلوس في الساحة بينما الآخرون يعملون أو يُستعبدون .
لأن ما لا يُقال عادة هو أن “الشعب” في أثينا لم يكن الشعب،بل شريحة ضيقة من الرجال الأحرار المالكين، لا تتجاوز ثلاثين أو أربعين ألفًا من أصل ما يقارب ثلاثمئة ألف نسمة.
أما النساء فخارج السياسة، والعبيد خارج الإنسانية السياسية، والأجانب خارج المدينة، والفقراء بلا أرض خارج الحساب، ومع ذلك سُمّي هذا النظام “حكم الشعب”، لأن الاسم، كما في كل العصور، أهم من المضمون.
كانت الساحة، الإكليسيا، قلب النظام، وهناك لم يكن القانون هو السيد، بل المزاج، ولم تكن المعرفة شرطًا، بل الحضور، ولم تكن الخبرة رأس مال، بل عبئًا، لأن من يعرف أكثر يتردّد أكثر، ومن يتردّد يخسر التصفيق، ومن يخسر التصفيق يخسر السياسة، وهكذا بدأ التحوّل البطيء، غير المرئي، من ديمقراطية مشاركة إلى ديمقراطية انفعال، حيث يصبح الخطيب أهم من رجل الدولة، والصوت أعلى من الحجة،واللحظة أقوى من المستقبل.
وعندما انتصرت أثينا على الفرس في ماراثون سنة 490، ثم في سلاميس وبلاتيا بين 480 و479، لم تنتصر بالسلاح فقط، بل انتصرت نفسيًا على فكرة الحدود، فالدولة التي تهزم إمبراطورية تبدأ في الاعتقاد بأنها محصّنة ضد الخطأ، ومن هنا بدأ الغرور الإمبراطوري يتسرّب إلى الديمقراطية نفسها، فحلف ديلوس الذي تأسس سنة 478 كتحالف دفاعي، تحوّل بعد نقل خزائنه إلى أثينا سنة 454 إلى جهاز هيمنة،تُديره المدينة باسم الشعب، وتُموّله مدن أخرى دون أن يكون لها صوت.
وهنا ارتكبت الديمقراطية أول خطاياها الكبرى
أن تحكم الآخرين باسم مشاركة داخلية، وأن تبرّر السيطرة بلغة الحرية.
ومع تدفّق المال وتوسّع الأسطول وتراكم الانتصارات، لم تعد الساحة تناقش هل يجب أن نحارب، بل أين ومتى وبأي خطاب، لأن الحرب نفسها أصبحت جزءًا من هوية المدينة، وحين اندلعت الحرب البيلوبونيسية سنة 431، كانت أثينا تملك كل شروط القوة إلا شرطًا واحدًا قاتلًا
هو القدرة على إدارة الزمن، فالديمقراطية الأثينية لم تُصمَّم لحروب طويلة، بل لقرارات فورية، وكانت تغيّر قادتها العسكريين تحت ضغط الرأي العام، وتحاكمهم بعد كل إخفاق،بل وحتى بعد بعض النجاحات، لأن النجاح إذا لم يكن كاملًا، وإذا لم يُرضِ الشعور العام، يتحوّل إلى جريمة.
وفي سنة 406، بعد معركة أرجينوساي، حين عاد الأسطول منتصرًا لكن العاصفة منعت إنقاذ الغرقى، لم تحتمل الساحة فكرة أن الطبيعة قد تكون أقوى من الإرادة الشعبية، فحوّلت الانتصار إلى محاكمة، والمحاكمة إلى إعدام، وأُعدم ستة جنرالات بقرار شعبي، في سابقة ستظل علامة سوداء في تاريخ الحكم، لأنها أثبتت أن الديمقراطية قادرة على قتل أفضل أدوات بقائها باسم الأخلاق والغضب، وأنها حين تفقد عقلها لا تحتاج إلى انقلاب، بل إلى تصويت.
ثم جاءت حملة صقلية سنة 415، لا كحادثة معزولة، بل كنتيجة منطقية لمسار طويل من تآكل الحكمة، حين أقنع الخطباء الشعب بأن إرسال ثلاثين ألف جندي وبحّار، وأكثر من مئة وثلاثين سفينة، إلى مسرح بعيد أكثر من ألف كيلومتر، بينما الحرب مع إسبرطة مشتعلة، هو مشروع مجد لا يُفوّت.
ولم يُصغَ إلى نيقياس لأنه تحدّث بلغة الحساب لا بلغة الحلم، وعادت الحملة سنة 413 مدمّرة، ليس فقط لأنها خُسرت، بل لأنها كشفت أن الديمقراطية الأثينية فقدت قدرتها على تقدير المخاطر، وأن الساحة صارت مصنع قرارات انتحارية.
وفي هذا المناخ المسموم، كان سقراط يتحرّك كجسم غريب، لا ينتمي إلى الحرب ولا إلى الخطابة، بل إلى السؤال، وكان السؤال في أثينا المتعبة أخطر من الهزيمة، لأنه يعرّي الفراغ خلف الشعارات، ولذلك حين حوكم سنة 399 بتهم إفساد الشباب وعدم احترام آلهة المدينة، لم تكن المحاكمة دينية ولا أخلاقية، بل سياسية بامتياز، تصفية هادئة لصوت يُذكّر المدينة بما لا تريد أن تتذكّره، وحين صوّت 281 مواطنًا لإعدامه، لم تكن تلك خيانة للديمقراطية، بل ممارسة خالصة لها، لأن النظام الذي يسمح للأغلبية أن تُسكت العقل بالقانون، نظام يفعل بالضبط ما صُمّم ليفعله حين يغيب الضابط.

شرب سقراط كأس الشوكران بهدوء، وترك المدينة لقدرها، وبعد خمس سنوات فقط، سنة 404، دخلت إسبرطة أثينا المنهكة، لا كغازٍ منتصر، بل كمن يدخل بيتًا مهجورًا، مدينة كانت قد نزفت ذاتها ذاتيًا، وصدّقت أن الصندوق يعوّض الحكمة، وأن التصفيق يبني استراتيجية، وأن العدد يغني عن العقل.
وهكذا انتهت الديمقراطية الأثينية، لا بضربة واحدة، بل بتراكم أخطاء صغيرة، شرعية، قانونية، شعبية، أخطاء لم تُراجع لأنها جاءت باسم الشعب، ولم تُحاسَب لأنها صُوّت عليها، لتبقى أثينا إلى اليوم درسًا قاسيًا لا يُحبّ أحد تدريسه كاملًا:
أن الديمقراطية، كما اخترعوها، ليست ضمانة للعدل، بل اختبارًا قاسيًا لنضج الشعوب، وأن الساحة إذا تُركت بل عقل،لا تُنقذ المدينة، بل تلتهمها ببطء، وبالهتاف نفسه الذي يعلن السيادة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال