رغم تشتّته وافتقاره إلى التراكم النظري يمتلك ”الوعـي الشعـبي العفـوي” ميزة التحرّر من الانضباط الفكراني، فهو لا يدافع عن مدرسة فكرية ولا يخضع لضغط “الصوابيّه السياسيّة”، إنّه وعي يتقدّم حين تعجز النخب ويصيب حين تخطئ التحليلات لأنه محكوم بمنطق ”اليومـي” لا بمنطق المفاهيم ..
ولعلّ أبلغ الأمثلة الكاشفة هنا تلك النظرة الشعبيّـة إلى دور الــمـــرأة؛ ففي حين تنشغل قطاعات واسعة من النخب بسجالات نظرية مجرّدة حول “التحرير الفمينيستي” و“الجندر” و“المساواة المطلقة” وتستورد نمـاذج جاهزة تفصل الأنثى عن سيـاقها الاجتماعي والأسري؛ يشتغل وعي ”خالتك ذهبيّـه” بمنطق أبسط وأكثر واقعيّـة، فهي لا تسأل؛ أيّ نظريّـة نُطبّـق ؟!،، بل تتسـاءل : كيفاش تِتبنى العايله من غير مشاكل وتعيش بنتنـا بكرامِتها ؟!!!..
في المقـابل حين تخضع النخبة لمنطق الإيديولوجيا تفقد قدرتها على قراءة هذا التوازن البسيط بعقل بارد فتقع إمّا في خطاب تحرّري/متضخّم ينتهي عمليًّا إلى تفكيك الروابط الاجتماعية باسم الفردانية أو في خطاب محافظ متخشّب يعجز عن استيعاب تحوّلات الواقع؛ كلا الخطابين يتحدث عن المرأة لكنهما لا ينطلقان منها ولا من شروط عيشها الفعلي !..
هنا يتقدّم الوعي الشعبي لأنه غير مطالب بالدفاع عن نموذج نظري ولا بتجميل تناقضاته إنما يقيس الأمور بنتائجها وما إذا كان هذا التصوّر أو ذاك يزيد المرأة استقرارًا أم هشاشـة ..
(”هذاكا علاش”) الأعراف الاجتماعيّة في الغالب أقرب إلى الروح الدينية العامة وأقلّ ابتعادا عنها من التخريجات الثقافية النخبوية السائدة لأنها تشكّلت عبر تاريخ طويل من المزاوجة العفويّة بين أحكام الدين وشروط العيش السليم !..
”الوعي” الذي لا يقرأ الكتب
2025-12-15
479 قراءة
مقالات فكر
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال