بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

لويس السادس عشر،ساعة إنهيار مملكة أكلها بلاطها من الداخل

2025-12-12 201 قراءة مختلفات عماد عيساوي
1
كان قصر فرساي أكبر مسرح سياسي في أوروبا، لكن خلف جدارياته المذهبة كانت تُخاض حرب يومية بين الملك وشبكات الفساد المحيطة به.
لم يكن سقوط النظام الفرنسي انفجاراً لحظة الثورة فقط بل كان سقوطاً بطيئاً، كتعفن شجرة ضخمة من جذورها بينما يظن الجميع أنها ما تزال واقفة بقوتها.
كان لويس السادس عشر يستيقظ مبكراً، ليس لأنه شغوف بإدارة الدولة، بل لأنه يحب العمل اليدوي.
كان يدخل إلى غرفة صغيرة، بعيداً عن البلاط، ليصنع الأقفال بنفسه. نعم، الأقفال الحديدية هوايته السرية.
ملك فرنسا كان صانع أقفال،وبينما كان يقلب القطع المعدنية ويقيس زواياها، كان نبلاء البلاط يسرقون خزائن الدولة، ويشترون مناصب، ويعقدون صفقات على حساب الشعب.
في الوقت نفسه كان الوزراء ينتظرون الملك لساعات حتى يخرج من عالمه الحديدي ليوقع قراراً عاجلاً، بينما كانت فرنسا تحتضر اقتصادياً.
كانت الطيبة عنده هروباً والهواية كانت ملجأ نفسياً من عالم سياسي يرفضه، لكنه ملازم له كظله.
كانت وجبة الإفطار الملكية طقساً سياسياً،العشرات يقفون ليراقبوا الملك يأكل ،النبلاء يراقبون من سيجلس بالقرب منه، ومن يبتسم له الملك، ومن يمرر له قطعة الخبز لأن كل حركة في القصر كانت رسالة سياسية.
والمقربون من الملكة كانوا يتدخلون دائماً
من يجلس؟من يُبعد؟من ترفع الملكة عينيها نحوه؟ومن تتجاهله؟
كان البلاط يعيش في حالة شبق دائم بالامتيازات.
نظرة واحدة من الملكة كانت تعني منصباً، راتباً، نفوذاً، وربما قيادة مقاطعة كاملة.
أما الشعب؟فلم يكن له مكان على الطاولة.
لم تكن الملكة ماري أنطوانيت سيئة النية بل كانت ببساطة غريبة تماماً عن فرنسا.
جاءت من فيينا، من قصر هادئ، غارق في الموسيقى، من عالم لا يشبه حياة الفلاح الفرنسي الذي يقتات على الخبز اليابس.
في فرساي خلقت لنفسها عالماً جديداً مزرعة ملكية مزيفة في هضبة "لو بوتي تريانون".
كانت تلبس أزياء فلاحات ريفيات، وتلعب دور المرأة الطبيعية، بينما كانت المزروعات مزيفة، والخيول من أندر السلالات، والحليب من أبقار لا تُحلب إلا أمام الحاشية للعرض فقط.
فلاحون مزيفون ،زرع مزيف ،طبيعة مزيفة وملكة لا تعرف شيئاً عن رائحة فرنسا الحقيقية.
وكلما زادت عزلتها عن الشعب، زاد احتقار الناس للقصر.
حدثت فضيحة في تاريخها ،مجوهراتيون صنعوا عقداً ثمنه يفوق ميزانية مدينة كاملة ظنوا أن الملكة ستشتريه.
استغلّت شبكة من المحتالين بمساعدة أرستقراطيين قريبين من الملكة فرصة الجشع المنتشر و اخترعوا خطة باسم الملكة، لكن الملكة لم تكن تعرف شيئاً عن العقد،هكذا قيل ،لكن الشعب لم يصدق.
لأن الشعب يرى الحقيقة التالية"القصر يأكل الذهب بينما الأطفال يبحثون عن الخبز."
كانت هذه القضية القشة التي ثقبت قلب الشعب.
لم تعد الملكة مجرد زوجة ملك بل صارت رمزاً لجحيم الترف الأرستقراطي.
كان للملك مجلسان، وثلاث لجان، وعشرة مستشارين
لكن لم يكن أحد يحكم فعلاً لأن لويس السادس عشر لم يكن حاسماً،كان يسمع لكل الأطراف، ويتأثر بكل طرف، ثم يغير رأيه في اللحظة الأخيرة.
يوميات القصر كانت مليئة بالمفارقات منها وزير يقترح ضريبة عادلة ،فيرفضها النبلاء لأنها تُضر بامتيازاتهم و الملك يوافق ثم يتراجع فيغضب الشعب .
الملك يقرر مشروع إصلاح جديد فتغضب الملكة لأنها تعتبره ضعفاً أمام الشعب فيتراجع الملك مجدداً.
كانت فرنسا تدار بـ ردود الفعل وليس بالقرارات وكان التردد سيد الموقف.
في باريس، كان الخبز يُقتطع بمنشار الغلاء و النساء يقفن ساعات أمام المخابز و الرجال يبيعون أثاثهم ليشتروا دقيقاً.
وفي فرساي؟
كانت حفلات الرقص، الأزياء المزخرفة، العطور القادمة من إيطاليا، الخمور القادمة من النمسا، والحرير القادم من ليون.
في أحد الليالي، بينما كانت الثورة تغلي كقدر على وشك الانفجار، كانت الملكة ترقص في قاعة المرايا وسط 1500 شمعة مضاءة وكان صوت الغضب من الشارع يصل خافتاً، مخنوقاً، لكنه كان موجوداًوكان يكبر.
في صباح الخامس من أكتوبر 1789، خرجت نساء باريس
الغاضبات من الجوع في مسيرة نحو فرساي.
كنّ يحملن السكاكين، المقالي الحديدية، والعصي،كنّ لا يبحثن عن إصلاح، بل عن رأس الملكة.
حين اجتاحت النساء القصر، أدرك لويس السادس عشر للمرة الأولى أن الحكم ليس قصراً من الذهب، بل جواهر من الثقة تُسرق منه كل يوم.
لكن اللحظة كانت متأخرة،الزمن كان قد اختار مساراً آخر.
حين جلس الملك في قاعة المحاكمة الثورية، لم يكن مسؤولاً عن كل خطايا نظام سقط منذ قرون لأنه كان فقط آخر ورقة شجر في شجرة ماتت.
لم يكن الشعب يعدمه بسبب قرار واحد، بل بسبب النبلاء الفاسدين حوله،زوجته الباذخة،البلاط الطفيلي،التردد السياسي،الجوع الذي أكل كبرياء الأمة،فضائح القصر و انقطاع الملك عن الواقع.
وفي 21 يناير 1793،سقط رأس لويس السادس عشر
ليس كرأس ملك فقط، بل كرأس حقبة كاملة.
سقط لويس السادس عشر لأن النظام الذي أحاطه كان أكبر كارثة من شخصه نفسه.
لم تكن فرنسا بحاجة لطاغية لينهار العرش ،كانت بحاجة لملك طيب ومحاصر بحاشية فاسدة،وزوجة معزولة،ونبلاء يعاملون فرنسا كطبق من الذهب،ليقع الانفجار الأكبر في تاريخ أوروبا.

التعليقات والردود

1
2025-12-12
الوجوه المقنعة...
غرغوريا... الوجوه المقنعة
------------
ذات صباحٍ، استيقظ أهل غرغوريا على مرسومٍ جديد صادر عن القصر الزجاجي.
كانت الجملة قصيرة كالأوامر السماوية:
“ابتسموا... وإلا.”
ومنذ ذلك اليوم، صار لكلّ مواطنٍ قناعٌ خاصّ به.
قناعٌ بملامح مبتسمة، نُحت بعنايةٍ في مصانع “السعادة الوطنية”.
قيل إنّ الهدف منه “توحيد المظهر العام للفرح”.
لكنّ الناس فهموا الرسالة جيدًا: لا أحد يُسمح له أن يكون حزينًا بعد اليوم.
باع التجّار الأقنعة كما تُباع المواعظ في أيام الانتخابات.
صار لكلّ مهنةٍ قناعها الرسمي:
– الفلاح يبتسم بأسنانٍ من طين.
– الموظف يبتسم بعينين نصف نائمتين.
– الشاعر يبتسم بأسى خفيفٍ يشبه الاعتذار.
– أما رجل الدين، فابتسامته مقدّسة لا تتغيّر حتى بعد الخطيئة.
وفي الساحات، كان الجميع يمشون متشابهين، كأنّ غرغوريا صارت نسخةً واحدةً من وجهٍ واحد.
لا أحد يعرف من يضحك فعلًا، ومن يخفي وراء ابتسامته وجعًا قديمًا.
حتى الأطفال صاروا يخافون من وجوه آبائهم حين ينزعون الأقنعة ليلاً.
في المقاهي، يتحدث الناس بصوتٍ منخفض:
“هل رأيت فلانًا؟ قناعه انكسر أمس، اختفى اليوم.”
“يقال إنّ من يُكسر قناعه... يُعاد تدويره.
في الليل، حين تهدأ المدينة، كانت الريح تمرّ فوق الأسطح وتجمع أنين الأقنعة المعلقة على الجدران.
كان كلّ قناعٍ يهمس بما لم يُقَل:
“أنا أيضًا تعبت من التمثيل والتزوير
وفي مكانٍ ما في الضواحي، بدأ سرٌّ صغير ينتشر بين البعض:
أنّ هناك وجوهًا حقيقيةً ما زالت تُخفي نفسها تحت الأرض،
وأنّ من يجرؤ على خلع قناعه لا يموت... بل يبدأ أخيرًا في التنفّس.
لكن لا أحد تجرّأ بعد.
لأنّ الخوف، في غرغوريا، صار جزءًا من ملامح الوجه.

ثورة الوجوه
------------
بدأ الأمر بهمسٍ خافتٍ، مثل حفيف ورقةٍ تسقط على الرصيف.
لم تكن هناك بيانات ولا مناشير، فقط نظرةٌ مختلفة في العيون،
عيونٌ تجرؤ على النظر مباشرةً في وجه القناع.
في حيٍّ صغيرٍ على أطراف العاصمة، يُقال إنّ امرأةً عجوزًا خلعت قناعها في السوق،
وقالت بصوتٍ مسموعٍ لأول مرة:
“هذه ليست ابتسامتي.”
تجمّع الناس حولها، خائفين من الكاميرات، من العسس، من أنفسهم.
لكنّهم رأوا في وجهها المتعب شيئًا نسوه منذ زمن ابتسامة الصدق.
لم يكن جميلًا، لم يكن مثاليًا، لكنه كان حقيقيًا.
ومن هناك، بدأ التصدّع.
في الليل، كانت الأقنعة تختفي من بعض البيوت.
وفي الصباح، يظهر أشخاص بوجوهٍ مكشوفةٍ يسيرون بخطواتٍ هادئةٍ كمن عاد من منفى طويل.
لم يرفعوا شعارات، ولم يهتفوا.
كانوا فقط يمشون… بوجوههم.
ارتبك رجال الأمن،
كيف يُعتقل من لا يصرخ؟
كيف يُقمع من يبتسم بطريقته؟
في القصر الزجاجي، صعد الغرغور السعيد إلى شرفته وصرخ:
“من يخلع قناعه، يخلع انتماءه!”
لكنّ الريح هذه المرة لم تردّ عليه.
كانت منشغلة بنقل خبرٍ جديدٍ إلى كل زاويةٍ من غرغوريا:
“هناك بشرٌ حقيقيون بينكم.
في الشوارع، بدأت ملامح المدينة تتغيّر.
تحت ضوء الفجر، كانت الأقنعة الممزقة تُرمى في الحفر كجثثٍ بلا هوية،
بينما العيون المكشوفة تتبادل نظراتٍ لا تحتاج كلمات.
وفي ليلةٍ غريبةٍ من ليالي الغبار،
وقف شابٌ أمام الكاميرا الرسمية وخلع قناعه على الهواء.
ابتسم ابتسامةً حقيقية، مائلة، ناقصة، لكنها بشرية تمامًا.
ثم قال جملةً واحدةً جعلت النظام يرتجف:
“الصدق ليس خيانة.”
وفي تلك اللحظة، ولدت الثورة.
لم يكن فيها دماء، ولا شعارات، ولا زعيم.
كانت فقط وجوهًا تُضيء واحدًا بعد الآخر،
كأنّ الكوكب كله بدأ يتذكّر شكل نفسه.

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال