بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

دولة السر،التي كانت تراقب الدولة

2025-12-12 314 قراءة مختلفات عماد عيساوي
هناك دول تولد قوية ثم تموت صغيرة، وهناك دول تولد صغيرة ثم تكبر حتى تعيش آلاف السنين.
والفرق بينهما ليس الجغرافيا ولا الجيوش ولا الموارد، بل شيء أكثر هشاشةً وأكثر خطورةً.
من يراقب السلطة حين تنام؟ ومن يوقظ الدولة حين يدخل إليها العفن؟
الصينيون، بصبرهم الزراعي وبعقلهم الحجري العميق، فهموا سرًّا بسيطًا لم نفهمه نحن.
الدولة التي لا تمتلك عينا عليا فوق الحاكم تتحوّل إلى غابة بلا أسد، وكل الغزلان فيها تدّعي أنها ملك الغابة.
هكذا أنشأوا “هيئة الرقابة الإمبراطورية” الـ Censorate.
هيئة ليست محكمة، ولا مخابرات، ولا مجلسًا دستوريًا، بل روحًا سوداء تتحرك في عروق الدولة، تفتش في دفاتر الحكم، تراقب أنفاس الوزراء، وتزن ضمائر القضاة، وتعدّ خطايا الحكّام عدًّا.
هيئة لا تُرى لكنها ترى الجميع.
كانت الصين تقول للعالم“الدولة التي لا تمتلك جهاز رقابة يجب أن تكتب وصيتها منذ الآن.”
هيئة تشبه شبحًا يقف خلف الإمبراطور
لم تكن هيئة الرقابة جهازًا إداريًا، بل كانت أشبه بظلّ الدولة.
ظلّ طويل، بارد، ثقيل، يرافق الإمبراطور إلى سريره، ويجلس معه عند موائد الحكم، ويقرأ وجوه المقرّبين منه كما لو كان يقرأ كتاب الطقوس.
كان أعضاء الـ Censorate لا ينظرون إلى الإمبراطور باعتباره نصف إله، بل باعتباره مُشتبها به دائمًا.
كانوا يكتبون تقارير يومية عنه وعن وزرائه، يمسحون الدولة كما يمسح الطبيب جسد مريض يبحث عن أورام مبكرة.
لم يكن الحاكم يملك عليهم سلطة العقاب.
كان يمكنهم إطاحة وزير، قاضٍ، جنرال وأحيانًا الإمبراطور نفسه إذا ثبت أنه خان روح الدولة.
كانت الرقابة في الصين أعلى من السلطة.
كانت ضمير الدولة لا ضمير الحاكم.
ولذلك صمدت الصين، ولذلك سقط من حولها ملوك، وأباطرة، وجمهوريات، ودول كبرى.
ليست المشكلة في الفساد وحده،المشكلة في أن الفساد إذا لم يجد خصمًا يطارده يصبح هو القاضي، وهو الحاكم، وهو الدولة.
الصينيون فهموا أن السلطة لا تفسد فقط حين تسرق، بل حين لا يخاف صاحبها من العيون.
الإنسان حين لا يخاف، يتحوّل إلى حيوان سياسي مفترس.
والدول التي لا تخاف من انهيارها، تنهار.
هكذا جاءت الفلسفة الكونفوشيوسية لتقول شيئًا مرعبًا وبسيطًا أن “من يحكم الآخرين يجب أن يحكم نفسه أولًا ومن لا يُحاسَب، لا يحاسب.”
وهنا تدخل هيئة الرقابة لمحاسبة من لا يريد أن يُحاسَب.
ولإجبار الحاكم على أن يكون صالحًا حتى لو لم يكن صالحًا.
ولأن الدولة ليست أخلاقية دائمًا، خلق الصينيون جهازًا يجبرها على الأخلاق بالقوة.
لماذا سقطت الإمبراطوريات الأخرى؟
لأنها تركت السلطة فوق الرقابة، لأنها اعتبرت أن الحاكم مصدر الشرعية، لا الدولة ولأنها سمحت للفساد بأن يمدّ جذوره في الصمت حتى صار الفساد نفسه هو الحاكم الحقيقي.
الإمبراطوريات الرومانية، العثمانية، الأوروبية كلها انهارت من داخلها قبل أن تنهار على حدودها.
سقطت حين أصبح الفساد جزءًا من “الهيكل الإداري”.
وحين أصبح كل مسؤول نهرًا صغيرًا يتفرّع داخل الدولة ويأخذ معه ما يشاء.
أما في الصين، فكان الفساد يعيش تحت نظام أشبه بـالكاميرا الأخلاقية و هي عين لا تنام، يد لا ترتعش، قلم لا يرحم.
الدول لا تموت بالحروب الكبرى، بل بالعدوى الصغيرة،
برشوة في وزارة، صفقة في الظلام، قاضٍ يرتعش أمام السلطان، وزير يكتب ميزانية مصممة لنهبه، وبرلمان يتحوّل إلى مهرجان صراخ.
هذه العدوى الصغيرة حين لا تجد جهازًا يقمعها فورًا، تتحول إلى “سرطان إداري”، سرطان ينتشر ببطء شديد، حتى يفوق القدرة على العلاج.
الصين كانت تعالج الورم في يومه الأول.
دول كثيرة اليوم تعيش مع أورام عمرها ثلاثون عامًا وتسمّي ذلك “استقرارًا”.
الرقابة يا سادة ليست جهازا بل فكرة ،فكرة تقول أن الدولة ليست ملكًا للحاكم ولا للوزير ولا للمجلس ولا للحزب.
الدولة ملكٌ للفكرة التي أسستها، وهي أكبر من الجميع.
الصينيون لم يثقوا في البشر، فبنوا هيئة تراقبهم.
دول كثيرة اليوم لا تثق في رقابتها فتبني بشرًا ينهبونها.
وهنا تكمن الفضيحة،لدينا وزارات بلا رقابة، مجالس بلا صلاحيات، محاكم بلا أنياب، ودولة بلا مرآة ترى فيها وجهها الحقيقي.
ولذلك تتكرر الأخطاء، وتتعفن الطبقات العليا، وتتسرب السلطة من بين الأصابع كما يتسرب الماء من جارور مثقوب.
الدولة التي تريد البقاء يجب أن تكون لها أنياب
أنياب لا تُستخدم في الافتراس، بل في حماية الجسد.
الدولة التي تخاف من محاسبة نفسها، ستعيش خائفة من شعبها.
والدولة التي لا تسمح بهيئة رقابة حقيقية، ستجد نفسها محاصرة بمراقبين من الخارج.
والسلطة التي لا تخاف من الداخل ستخاف من الخارج.
الصين فهمت أن الرقابة ليست تهديدًا للحكم، بل تهديدًا للانهيار.
أمّا نحن، فنتعامل مع الرقابة وكأنها عدوّ، فنترك العدوّ الحقيقي و هو الفساد، البيروقراطية، شبكات المصالح يتكاثر بلا خوف.
الدولة التي بلا هيئة رقابة كجيش بلا ذخيرة
قد تملك قانونًا، وقد تملك شعبًا، وقد تملك دستورًا، وقد تملك أحلامًا لكن بدون هيئة رقابة حقيقية، كل ذلك مجرّد ديكور جميل لبيت سيسقط عند أول ريح.
الصينيون بنوا دولة عمرها آلاف السنين لأنهم وضعوا “عينًا فوق عين الحاكم”.أما نحن، فنعيش في دولٍ تضع “الحاكم فوق الدولة”، ثم تتساءل لماذا تتكرر الكارثة كل عشر سنوات.
الـ Censorate لم تكن مجرد مؤسسة تاريخية
كانت درسًا يقول أن الدولة التي تريد أن تعيش يجب أن تمتلك من يراقبها وهي نائمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال