بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أمّة تُقاد إلى المجهول عبر ثقب شاشة و لا أحد يريد أن يطفئ الضوء

2025-12-11 166 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في زمنٍ صار فيه الهاتف أثقل من الدولة، والشاشة أكبر من المدرسة، والعالم أقرب إلى سرٍّ مكشوف، ظهرت صناعة تُعيد تشكيل الإنسان بطريقة لا تفهمها الحكومات ولا تتجرّأ على نطقها العائلات:
الإباحية الرقمية يا سادة هي أكبر قوة استعمارية جديدة، وأشرس آلة تفكيك اجتماعي عرفتها الإنسانية منذ اختراع النار.
هذه ليست مبالغة،هذه هندسة دماغية، مخطّط لها، تُعيد توجيه العقل البشري، جيلاً بعد جيل، بسلاح لا يُرى ولا يُسمع بل يُحسّ في أعماق الدماغ.
الطفل اليوم لا يتعلم من المعلّم ولا من الأب
بل من الخوارزمية.
من صفحة تتلوّن أمامه مثل أفعى، تقدّم له “المشهد الأول” من حياته الجنسية قبل أن يكتشف جسده أو يعرف معنى كلمة “علاقة”.
11% من الأطفال يُصدمون بمحتوى جنسي قبل سن 10
22% قبل سن 13
70% قبل سن الرشد
هذه ليست نسب ،هذه خرائط لجريمة أخلاقية وصحية ونفسية.
الطفل الذي يتعرض لهذا النوع من العنف البصري يفقد شيئاً لا يعود ،يسرق منه “مفهوم البراءة”، ويُزرع مكانه “مفهوم اللقطة”.
إنه لا يتعلم الجنس بل يتعلم الشهوة قبل النضج، والرغبة قبل الوعي، والصورة قبل الإنسان.
المراهق اليوم يعيش في جحيم غير مرئي يتنقل بين موقع وآخر، لا بحثاً عن المتعة، بل عن هوية، عن معنى رجولته، عن حدود جسده، عن منطق العلاقة.
لكن هذه المنصات وعددها اليوم يتجاوز 12 مليون موقع لا تعطيه هوية بل تمنحه إدماناً.
تقدّم له حروباً من اللقطات، وجنساً سريعا، وعلاقات خيالية، وتقول له “هكذا يجب أن تكون”.
المراهق الذي يدخل هذا العالم مبكراً يعود إلى الواقع مشلولاً:
لا يعرف أن يحبّ، لا يعرف أن ينتظر، لا يعرف أن يتواصل
إنه شاب يُربى داخل مختبر لا علاقة له بالحياة البشرية.
الشاب الذي يستهلك الإباحية بكثافة ليس “منحرفاً”
هو مُعاد البرمجة. متعته تتحكم فيها الآن موجات دوبامين اصطنعتها شركات أجنبية تجني المال من إدمانه.
تقول الدراسات أن المتابعة المنتظمة للمحتوى الإباحي تؤدي إلى تراجع الرغبة و تآكل القدرة على الارتباط و ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب و علاقة مضطربة مع الجسد الحقيقي
إنه جيل يحبّ “الفانتازيا” أكثر من المرأة،جيل يلامس “الشاشة” أكثر مما يلامس اليد.
جيل يتزوج الخيال ويطلّق الواقع.
العلاقة الزوجية لم تعد تكسرها الخيانة بل يكسرها الخيال.
الرجل الذي يدخل إلى عالم الإباحية لا يعود كما كان.
يبدأ يقارن ويبدأ يطلب ما لا يُطلب.
ويبدأ يرى زوجته بعين صنعتها فيديوهات لا احترام فيها ولا روح.
المرأة أيضاً ضحية فهي ضحية معايير جمالية غير آدمية، وضحية شريك عقله معلّق في عالم آخر.
هكذا تتهدم العائلة لا بصوت، ولا بفضيحة، بل بصمت رقمي.

حتى الشيخ الذي عاش حياة كاملة يصبح اليوم أسيراً لصورة لا وجود لها و يلجأ إلى الشاشة بحثاً عن دفء، فيجد فراغاً.
ثم يزداد تعلقه، فتزداد وحدته، ثم يزيد خوفه من البشر لأن الخيال صار ألطف.
إنه انهيار لا يُلاحظ لأن الضحية أكبر من أن يُراقب، وأضعف من أن يشتكي.

فلماذا نحن، في تونس، أكثر هشاشة؟
لأننا مجتمع يتجنّب الحديث عن الجنس، يترك الأطفال للهواتف،لا يقدّم تربية جنسية ولا حماية رقمية ،يعيش ازدواجية بين المحافظة والاستهلاك السري و يملك إعلاماً يجعل من التفاهة قضية ومن الكارثة ظلّاً
نحن مجتمع يحبّ حجب الكلمات ويكره حجب الأخطار.

هنا الطعنة الأكبر،الإعلام التونسي يهرب من هذه المعركة مثل جيش يهرب من مواجهة عدوّ يعرف أنه سيهزمه بدل أن يناقش خطر 42 مليار زيارة سنوياً و أثر أكبر صناعة لا أخلاقية على الصحة العقلية و اختطاف الأطفال والمراهقين و انهيار العلاقات و تآكل العائلة و الغزو النفسي للرجال والنساء
يحلّ ضيوفاً يناقشون من صرخ في من؟ من خان من؟من تزوّج من؟
الإعلام الذي لا يفتح هذا الملف ليس إعلاماً بل كتيبة تلميع لواقع متعفّن.
الحلّ طبعا ليس الحجب بل المواجهة
الحجب لعبة أغبياء ،VPNواحد يهدم دولة كاملة.

الحلّ الحقيقي يتطلب سلطة فكرية، إعلاماً شجاعاً، ودولة تفهم أن الخطر اليوم ليس سياسياً بل نفسياً ودماغياً.
الحلّ الحقيقي يتكوّن من عدّة أعمدة
تربية جنسية علمية في المدارس لا خجولة، لا دينية فقط، لا وعظية، بل علمية.
إعلام يواجه، لا يداري
برامج كبرى، تحقيقات، أطباء، مختصون
ملفّ يجب أن يُفتح كما تُفتح ملفات الفساد.
حملة وطنية للصحة النفسية الرقمية مثل الحملات ضد التدخين إلا أن هذا أخطر.
صناعة خوارزميات حماية محلية
يا سادة لاااا أحد سيحمينا علينا حماية أطفالنا بأنفسنا.

نحن نعيش عملية “تفكيك الإنسان”
إذا استمر هذا الصمت، وهذه التفاهة، وهذا الجبن الإعلامي، فبعد عشرين سنة لن نسأل “لماذا تراجع التعليم؟”
“لماذا ارتفعت البطالة؟” “لماذا انهارت الأسرة؟”
سنبحث عن سبب واحد فقط لماذا توقّف الإنسان عن أن يكون إنساناً؟
لأننا تركناه يُربّى على يد إباحية لا ترحم وتكنولوجيات لا تعرف الإنسانية وإعلام لا يريد رؤية الحقيقة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال