لم يكن امرؤ القيس شاعرًا كما تقول الكتب،ولا عاشقًا كما يقول الرواة،ولا أميرًا كما تدّعي أنساب العرب بل كان جيفةًتمشي بكرامة ملوك،وظلًّا يبحث عن صاحبه،ورجلًا يسابق قدرًا يعرفه الجميع ولا يعرف هو منه سوى النهاية.
ولد في قبيلةٍ تُنجب الملوك كما تُنجب الصحراء العقارب
بلا حنان، بلا تربية، بلا وصايا.
وكان أبوه حجر بن الحارث ملكًا يضرب رقاب الناس كما يضرب الراعي عصاه على ظهر شاةٍ شاردة.
أما ابنه فكان الضياع على قدميه،والهلاك في جيوبه،والسُكر في روحه.
ومع ذلك بقي يراكم في صدره شيئًا أشدّ خطرًا من الخمر و هي شهوة ملكٍ ميت.
ثم جاء خبر الموت ،دخل عليه الرسول،وجهه مثل حائطٍ شهد جريمة.
قال له:"بنو أسد قتلوا أباك."
لم يرتجف الشاعر،لم يصحُ من سكره،لم يصرخ كما يفعل أبناء الملوك.بل نظر في الكأس،ثم قال بصوتٍ يقطع الحنجرة:
"اليوم خمر وغدًا أمر."
وكأنّه يقول دعوني أُكمل كأس الهزيمة قبل أن أبدأ حربها.
الدم لا يُشرب على معدةٍ فارغة.
في اليوم التالي لم يكن في أمرئ القيس شاعرٌ ولا عاشق بل ذئبٌ يبحث عن دمٍ يبرّر حياته.
جمع ما تبقى من رجاله،أشباه محاربين يشبهون بقايا السيوف بعد حروب طويلة.
صار يركض من قبيلة لأخرى،يطلب النصرة يبيع اسمه يعرض نسبه ويقدّم كرامته قربانًا لثأرٍ يعرف الجميع أنه أكبر من مقاسه.
كان يدخل على الملوك كمتسولٍ يرتدي جلد أمير.يطلب السيف ويُعطى الكلمات.
يطلب الجند و يُعطى الابتسامات،يطلب التحالف ويُرمى في الممرات مثل كيسٍ من الغبار.
كان غدُه كلما اقترب ابتعد وكان أمرُه كلما نضج فسد.
حتى صار الرجل يجرّ خلفه هزائمه كما تجرّ الخرائب أحجارها.
الملك الذي يدفنه البشر قبل أن يدفنه القدر
وصل أخيرًا إلى قيصر الروم،إلى قصرٍ من رخامٍ بارد،حيث تذوب الأحلام في فضّة السياسة.
رآه القيصر فابتسم له ابتسامة تُشبه سيوفًا في أغماد ناعمة وقال له كلامًا مثل الحرير،وصنع له موتًا مثل الجمر.
أهداه حُلّة مسمومة،منسوجة بإتقان،مُعَدّة خصيصًا للملوك الذين يطلبون ما لا يحقّ لهم وللرجال الذين ينسون أن العروش لا تُستعاد بالدموع ولا بالشعر ولا بالهروب من الأمس.
لبس امرؤ القيس الحُلّة فصار جلده يتقشر،وصارت عظامه تسمع صرير موتها.
مات على الطريق،ميتةً بلا شاهد،بلا مجد، بلا قصيدة أخيرة
مات كما يموت الذين انتظروا العالم أن ينحني لهم
فانحنت أجسادهم هم وحدهم.وبقيت العبارة:
اليوم خمر وغدًا أمر
لم تكن حكمة،ولا مجازًا،ولا فلسفة شاعر.
كانت قرار رجلٍ شرب نفسه حتى النهاية،ثم واجه قدرًا يعرف أنه سيقتله،فسار إليه مبتسمًا وهو يلعن كل الغد.
كانت إعلان حرب من رجلٍ يعرف أنه سيخسرها،وأن موته أجمل من حياته،وأن العبارة التي نطقها في ساعة سُكر
ستصبح قبرًا من كلمات لا يخرج منه التاريخ أبدًا.
اليوم خمر و غدا أمر
2025-12-11
450 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال