بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سبينديوس… زمنُ العبيد الجدد الذين يبتزّون الجمهورية

2025-12-08 464 قراءة مختلفات عماد عيساوي
لم يكن سبينديوس رجلاً, كان شرارة. شرارة صغيرة اصطدمت ببرميل بارود اسمه قرطاج بعد الحرب البونيقية الأولى.
كان عبداً هاربًا من روما، يحمل على ظهره ندوب الجلد بالسياط، وعلى قلبه حقداً أسود لا يخبو. وعندما وصل إلى قرطاج ضمن جيش المرتزقة، لم يكن أحد يتوقّع أن يتحوّل هذا الرجل المجهول إلى أخطر قائد تمرد في تاريخ المتوسط.
لكن المدن تسقط دائماً بالأبواب الصغيرة لا بالحصون.
سنة 241 ق.م، خرجت قرطاج من حربها الأولى مع روما مُنهكة، مفلسة، تبحث عن أنفاسها.
وكانت تُماطل في دفع أجور عشرات الآلاف من المرتزقة لوبيون، إيبيريون، نوميديون، غاليون، وكل من حمل السلاح مقابل الذهب.
وفي تلك اللحظة، ظهر سبينديوس.
ليس كقائد بل كخيط النار الذي يمرّ بين البنزين والشرر.
كان يفهم طبائع المرتزقة، يعرف غضبهم، يقرأ كراهية الشعوب المستعمَرة، ويستعملها كسلاح.
خطاباته كانت بسيطة، لكنها قاتلة:"القرطاجيون استغلوكُم… الآن دوركم لاستغلالهم."
وكانت قرطاج منقسمة:حزب يريد التفاوض، وحزب يريد سحق التمرّد بالقوة.
والانقسام هو أول رائحة يشمّها كل محرض بار ،لم يكن سبينديوس مجرد محرض؛ كان منظّرًا للفوضى.
عطّل كل محاولات التفاوض بين قرطاج والمرتزقة.
أقنع القادة الميدانيين بأن أي اتفاق هو فخ.
حوّل التمرّد من احتجاج مالي إلى حرب وجودية.
وعندما تولى القيادة مع ماثو، فرض سياسة الرعب:
قطع الأيدي، دفن الأسرى أحياء، إعدام مبعوثي السلام القرطاجيين
حتى أن بوليبيوس سمّى تلك المرحلة:"الحرب اللامرحومة".
سبينديوس كان يعرف أن استقرار قرطاج يعني نهايته.لذلك كان يفجّر كل فرصة للسلام ،تماماً كما يفعل اليوم سبينديوسيّو تونس:
الذين يعيشون سياسيًا فقط عندما يعمّ الخراب.
لعب سبينديوس على أربعة محاور:
أولا، الشقوق الداخلية في قرطاج
قرطاج كانت مدينتين في مدينة واحدة: تجار يبحثون عن الهدوء وقادة حرب يريدون الانتقام
المرتزقة يعرفون هذا،وسبينديوس استعمل الانقسام كأداة: كل مرة تختلف فيها النخبة يكبر نفوذه.
ثانيا، سلاح المعلومات
كان ينشر الشائعات، يضخم الأخبار، ويستعمل "علم إعلام ما قبل الإعلام".
خبر واحد كان كافياً ليجعل آلاف المرتزقة ينتقلون من انتظار الأجور إلى قطع الطريق على الإمدادات القرطاجية.
ثالثا، اللعب على عقدة المستعمَر
كان يذكّر اللوبيين بأن قرطاج نهبت أرضهم،ويذكّر الإيبيريين بأنهم وقود حروب لا ناقة لهم فيها.
التحريض المبني على الغبن العرقي كان أخطر أسلحته.
رابعا، خلق منطق "اللاحل"
أي أن أي مبادرة سلام تصبح خيانة وأي خطوة للتهدئة مصيدة.وأي قائد معتدل عميل.
هذه هي عقلية الفوضويين الكبار:إن لم يكن هناك جسر، اكسر الخشب وإن لم يكن هناك نار اشعلها.
عندما ظهر القائد العظيم حملقار برقا والد حنبعل ودخل الحرب، تغيّر كل شيء.
حملقار لم يكن سياسياً كان عاصفة.
حاصر المرتزقة، فصل صفوفهم، قطع طرق الإمداد، وأجبرهم على التراجع إلى وادي باغرادس.
وفي النهاية، وقع سبينديوس أسيراً وتمّ إعدامه على فظاعاته ومات الرجل الذي أراد أن يشعل المدينة.
بينما عاش الذين حمَوها.
في تونس اليوم، هناك "سبينديوسيون" جدد يعيشون على تغذية النزاعات ، يقفون ضد أي تهدئة لأنها تعني موتهم السياسي، يقتاتون من غضب الناس، لا من حلول حقيقية،يزايدون أخلاقياً بينما تاريخهم ملطخ،يدفعون إلى الفوضى ثم يقدمون أنفسهم كبديل “إنقاذ”.
إنهم مثل سبينديوس ،يصرخون "تحيا العدالة!" وهم أول الهاربين منها.
يقولون "نقاتل من أجل الشعب!" والشعب آخر ما يهمّهم.
ويفجرون أي حلّ حتى لا يسقطوا.
وسيبقى التاريخ يعيد نفسه ،قرطاج لم تُهزم في ساحات روما بل في ساحات صراعاتها الداخلية.
وتونس لا يخيفها الخارج بقدر ما يخيفها أبناؤها الذين يشبهون سبينديوس.
سبينديوس لم يكن رجلاً بل كان مرآة.
مرآة تعكس ما يحصل عندما تتهاوى الدولة من الداخل وتفتح أبوابها للمرتزقة الحقيقيين أو السياسيين الذين يشبهونهم.
تسقط الأمم عندما يتكاثر سبينديوس وتنهض فقط عندما يظهر حملقار جديد.
والتاريخ لا يمشي إلى الأمام فقط بل يدور حول نفسه كطاحونة.
ومن لا يفهم دورانه يسقط فيه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال