في هذا العالم العربي، حيث الأنظمة ترتعش من الحقيقة أكثر من ارتعاشها من الثورة،لم تكن القوة في يد الجيوش ولا أجهزة الأمن.
القوة كانت دائمًا في يد الجهاز المعرفي.
العلماء، المشايخ، الدكاترة، الأساتذة،هؤلاء الذين ظنّ الناس أنهم حراس المعرفة، كانوا دون أن يشعروا حراس الواقع.
المعرفة في بلادنا لا تُنتج التحرّربل تُنتج الطاعة.
لا تُردم الهوّة بل تبرّرها
إنها المعرفة التي تسأل: كيف؟،وتتجنّب السؤال: لماذا؟ من كيف نشأ هذا الواقع؟ من صمّمه؟ ومن يستفيد منه؟
تونس ليست دولة ولدت من ذاتها.
تونس وُلدت في مكاتب باريس حين رسم الفرنسيون حدودها، وصاغوا قانونها، وصمّموا إدارتها، وحدّدوا شكل نخبتها.
ثم سلّموا البلاد إلى نخبة محليّة تتبنّى مشروعهم دون حرب.
وهكذا تحوّلت تونس إلى أول دولة عربية مُهندسة معرفيًا قبل أن تكون مُحرّرة سياسيًا.
من 1881 إلى 1956 وُضع الأساس.
ومن 1956 إلى اليوم، واصلت النخب نفسها ترميم البناء الفرنسي دون أن تجرؤ على لمس الأساسات.
الزيتونة لم تُهزم يوم دخل الفرنسيون تونس بل هُزمت يوم قبلت أن تكون “مؤسسة محافظة” داخل نظام لا يشبهها.
شيوخها لم يكونوا خونة،كانوا ضحايا بنية معرفية تمنع التفكير في الأصل، وتسمح فقط بالاجتهاد في الهامش.
لم يكتبوا كتابًا واحدًا عن “ماهية الدولة التي تُراد لتونس”.
لم يقدّموا نقدًا جذريًا للاستعمار المعرفي.
لم يطرحوا سؤال من يحق له كتابة وعي التونسي؟ فرنسا أم الزيتونة؟
ولهذا تحوّلت الزيتونة إلى رمز بلا سلطة وقبض بورقيبة على عنقها بذكاء فجعلها متحفًا روحيًا، لا مصنعًا للفكر.
الجامعة، تلك التي تتباهى بالجرأة،لم تكن يومًا مركزًا للتمرّد المعرفي،بل كانت مصنعًا لصياغة “إطار إداري مُتعلّم”، مُدجّن داخل قوالب الدولة الفرنسية.
تُدرّس فوكو دون تطبيقه على الدولة التونسية.
تُدرّس علم الاجتماع دون تفكيك المنظومة التي أنتجت المجتمع.
تُدرّس التاريخ دون كتابة تاريخ تونس من خارج الرواية الرسمية.
الأساتذة الكبار من جيل الستينات حتى التسعينات، نقدوا الدين، نقدوا النص، نقدوا المجتمع،لكنهم جميعًا توقّفوا أمام الباب المغلق و هو باب نقد الدولة الحديثة نفسها.
لم يجرؤ أحد على القول إن الدولة التونسية ليست “ابنة الإصلاح” بل ابنة الاستعمار.
حتى الإسلاميون، رغم الصدام السياسي،لم يُقدّموا قراءة جذرية لتأسيس الدولة.
قبلوا القالب الذي صمّمته فرنسا،وحاولوا صبّ الإسلام فوقه صبّا.
لم يسألوا عن التأسيس،بل عن التلوين.
فصاروا جزءًا من معركة “من يدير الدولة؟” بدل “من صمّم الدولة؟”.
من بورقيبة إلى بن علي إلى ما بعد الثورة،نفس الخريطة، نفس الذهنية.
بورقيبة كتب العقل التونسي بالقلم الفرنسي و قطع مع التاريخ العميق و حوّل الهوية إلى ملف إداري و ربّى نخبة تُفكر كما أراد الغرب أن نفكر.
بن علي لم يُغيّر شيئًا في الهيكل،بل أضاف إليه الأمن والرقابة و أدار الدولة كما تُدار ثكنة وبقيت تونس الحديثة كما أرادتها فرنسا.
ما بعد الثورة سياسيون بلا مشروع،أحزاب بلا نظريات،نقابات بلا رؤية،إعلام بلا مصداقية،دولة بلا عقل مؤسِّس.
الكلّ يصرخ لكن لا أحد يجرؤ على فتح الدفاتر الأولى.
أخطر من كل هذا المثقفون ،الذين يدافعون عن الدولة دون أن يعرفوا من كتبها.
هذا هو الخطر المعرفي الذي لا ينتبه إليه أحد.
المثقف التونسي اليوم ليس خائنًا لكنّه أخطر من الخائن:إنه يكتب داخل قوالب لم يصنعها،يدافع عن “واقع” لم يقم بتحليله،ويهاجم “الماضي” دون فهمه،
ويحرس “الدولة” دون أن يعرف من صمّمها.
عندنا نخبة ضخمة لكنها بلا أصول معرفية.
إن أخطر احتلال عاشته تونس لم يكن الاحتلال العسكري
بل كان الاحتلال المعرفي,احتلالٌ لم يخرج سنة 1956احتلالٌ يعيش في المناهج،في الجامعات،في تصورات الدولة،في سقف التفكير،في شكل المواطن، في الطريقة التي نفهم بها أنفسنا.
وما دام هذا الاحتلال قائمًا،فلن تبني تونس دولة،بل ستبني إدارات.
لن تملك مشروعًا،بل ستملك مسودّات مشاريع.
لن تملك وعيًا،بل ستملك ذاكرة ملوّنة.
فمن يجرؤ على كتابة الأساسات من جديد؟
لا الإسلاميون،ولا اليسار،ولا الأساتذة،ولا السياسيون،ولا النقابات،ولا الإعلام
الجميع خائف من السؤال الأول من كتب تونس؟
والأكثر رعبًا من السؤال هو الجواب.
الأستا
الدولة التي صمّمتها فرنسا، وحرستها نخبة لا تفكّر إلا داخل حدود السقف الذي خُطّ فوقها
2025-12-06
614 قراءة
مقالات رأي
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال