الوعي السياسي وتأثيره على الحراك الاجتماعي في تونس: الأسباب والحلول
مقدمة
يشهد الحراك الاجتماعي في تونس حالة من التجاذب السياسي والاقتصادي التي تكشف محدودية الوعي السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب. يُعدّ الوعي السياسي عنصرًا أساسيًا في تحديد فعالية الحراك الاجتماعي وقدرته على التأثير الإيجابي في المسار الديمقراطي.
يهدف هذا المقال إلى تحليل أسباب ضعف الوعي السياسي في تونس، واستعراض انعكاساته على الحراك الاجتماعي، ثم تقديم الحلول الكفيلة بتعزيز الوعي السياسي وبناء ممارسة ديمقراطية أكثر نضجًا واستقرارًا.
---
أولًا: أسباب ضعف الوعي السياسي
. تزييف الوعي السياسي عبر الإعلام
لعب الإعلام دورًا مركزيًا في تشكيل وعي سياسي مشوّه، من خلال تضليل الرأي العام وتشويه صورة المؤسسات المنتخبة، وتقديم سرديات مضخّمة للأزمات، وتعظيم شرعية الإجراءات الاستثنائية.
الإعلام تحوّل في أغلبه إلى طابور خامس يساهم في تهديم الديمقراطية الناشئة، وإضعاف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وترويج خطاب يدعم النزعات الاستبدادية، مع استثناء حالات قليلة من الإعلام المستقل والمهني.
. أزمة التعليم والارتخاء الفكري
النظام التربوي لم يُجهز الأجيال القادمة بالأدوات اللازمة للتحليل النقدي والسياسي، مع غياب التربية المدنية الحقيقية وتهميش مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
النتيجة: جيل يفتقر للوعي النقدي، ويقرأ الواقع السياسي بطريقة سطحية، ما يجعل الشباب غير قادر على المشاركة السياسية الفاعلة.
. الوصولية والانتهازية لدى بعض الفاعلين
شهدت فترة ما قبل وبعد جويلية تموقعات سياسية متقلّبة لدى بعض أصحاب الشهائد العليا؛ فمن الاحتجاج من أجل التشغيل، إلى الاصطفاف خلف قرارات السلطة التنفيذية طمعًا في مناصب مثل العمد والمعتمدين والولاة.
بعض الباحثين والدكاترة بالغوا في تمجيد الرئيس، وهو ما يعكس ضعف المبدأ وتفضيل المصلحة الشخصية على التحليل الموضوعي للمشهد السياسي.
. غياب الإرادة السياسية لنشر الوعي خلال العشرية الديمقراطية
الأحزاب والجمعيات السياسية لم تولِ اهتمامًا حقيقيًا بتكوين الشباب سياسيًا، بل ركّزت على الشباب الوصولي والبراغماتي وتهميش الشباب المبدئي.
أدى ذلك إلى إنتاج جيل ضعيف الوعي، فاقد للثقة في المؤسسات، وغير قادر على حماية التجربة الديمقراطية أو المشاركة بفعالية.
. المبالغة في المركزية وتهميش الجهات الداخلية
تركيز النشاط السياسي والإعلامي في العاصمة والمدن الكبرى أدى إلى تهميش الجهات الداخلية، على الرغم من كونها الخزان الحقيقي للحراك الاجتماعي.
النتيجة: ضعف الوعي السياسي لدى شباب المناطق الداخلية، وعدم القدرة على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مشاركة سياسية فاعلة.
. طبيعة الشباب المستهلك للمعلومة دون تمحيص
جزء واسع من الشباب اكتسب عادة استهلاك المعلومات السريعة والسهلة دون تدقيق أو تحري، نتيجة عدم الرغبة في بذل الجهد للحصول على المعلومة الصحيحة والدقيقة.
بعض الشباب أصبح يستلذّ بهدم التجربة الديمقراطية لأنها لم تمنحه مكانة داخلها، وهو سلوك يشبه شخصية "حاكم الأمر الواقع" الذي أمضى عقودًا دون تكوين أو تجربة، ورفض الديمقراطية لأنها تكشف محدوديته وعدم أهليته للعب أي دور سياسي حتى في مستواه الأولي.
---
ثانيًا: تأثير ضعف الوعي السياسي على الحراك الاجتماعي
ضعف الوعي السياسي يجعل الحراك الاجتماعي هشًا وسهل التوجيه، ويُحدّ من قدرته على تحويل الاحتجاجات إلى مطالب واضحة.
الاعتماد على المعلومات المزيّفة أو السطحية يُسهم في تشويه أهداف الحراك، ويُبعده عن دوره الحقيقي في حماية الديمقراطية أو دفع الإصلاحات.
الشباب، رغم طاقته ونشاطه، يصبح أداة للتوظيف السياسي المؤقت بدل أن يكون قوة اقتراح وتغيير مستدامة.
---
ثالثًا: الحلول لتعزيز الوعي السياسي
. تعزيز التعليم السياسي
إدماج التربية السياسية والمدنية ضمن المناهج التعليمية.
تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل السياسي لدى الطلاب.
تعليم مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تجربة مقارنة:
في فنلندا، يشكل التعليم السياسي جزءًا أساسيًا من المنهج، ما يسهم في تطوير وعي نقدي قادر على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.
كيفية التغيير عمليًا: الطلاب يمارسون محاكاة للبرلمان، وينخرطون في مناقشات حول القوانين والسياسات الوطنية، مع تقييم مصادر متعددة للمعلومات.
النتيجة: شباب واعٍ، قادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة والمشاركة بفعالية في الحراك السياسي.
. دعم الصحافة الحرة والمستقلة
حماية الإعلام من التأثيرات الاقتصادية والسياسية، وتشجيع الصحافة المهنية والاستقصائية.
توفير تغطية موضوعية وتحليلية تساعد المواطنين على فهم الواقع السياسي.
تجربة مقارنة:
في إيرلندا، ساهم الإعلام المستقل في تعزيز وعي المواطنين وتمكينهم من مساءلة السياسيين ومتابعة السياسات العامة بشكل موضوعي.
كيفية التغيير عمليًا: إنتاج محتوى متنوع وموثوق، ورصد أداء الحكومة بشكل نقدي.
النتيجة: نمو وعي جماعي متقدم، وحماية التجربة الديمقراطية من التضليل.
. تقوية النقابات والجمعيات المدنية
إطلاق برامج توعوية حول القضايا الوطنية والسياسية.
تعزيز التواصل بين مختلف مكونات المجتمع السياسي والمدني.
توفير فضاءات للحوار والنقاش السياسي.
تجربة مقارنة:
الحوار الوطني التونسي بعد الثورة كان نموذجًا ناجحًا في تقوية المجتمع المدني والحفاظ على التوازنات السياسية.
كيفية التغيير عمليًا: تنظيم جلسات نقاش وورشات عمل تضم الشباب والمجتمع المدني والحكومة.
النتيجة: خلق ضغط مجتمعي متوازن، تقليل التوترات، وتعزيز مشاركة المواطنين.
. تعزيز المشاركة السياسية للشباب
تنظيم حملات توعية في الجامعات والمدارس.
تشجيع الشباب على الانخراط في الأحزاب والمبادرات المدنية والسياسية.
إحداث فضاءات حوارية ومبادرات تمكينية لتطوير القيادات الشبابية.
تجربة مقارنة:
في كوريا الجنوبية، أسهمت المشاركة الشبابية المباشرة في الحياة السياسية في ترسيخ الديمقراطية.
كيفية التغيير عمليًا: إنشاء منتديات شبابية، برامج محاكاة لصنع القرار، والمشاركة في مبادرات وطنية.
النتيجة: تحولت طاقة الشباب إلى قوة اقتراحية ومسؤولة قادرة على توجيه الحراك الاجتماعي نحو الإصلاح والبناء الديمقراطي.
---
خاتمة
يمثل الوعي السياسي السليم قاعدة أساسية لبناء مجتمع قادر على التأثير الإيجابي في الحراك الاجتماعي.
معالجة الأسباب البنيوية والفكرية التي أدت إلى ضعف هذا الوعي — مثل دور الإعلام المزيّف، قصور التعليم، الانتهازية السياسية، تهميش الجهات، وطبيعة استهلاك المعرفة لدى الشباب — يمكن أن تمهّد الطريق لتونس نحو مسار ديمقراطي أكثر توازنًا واستدامة.
إن مستقبل الحراك الاجتماعي وقدرته على المساهمة في الإصلاح السياسي يعتمد على نجاح المجتمع في بناء وعي سياسي ناضج، يعزز الاستقرار ويخدم المصلحة الوطنية.
الوعي السياسي و تأثيره على الحراك الاجتماعي في تونس : الاسباب و الحلول
2025-12-02
482 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال