بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحرية المبذرة : المفهوم و المظاهر ( الجزء الأول المفهوم)

2025-12-01 400 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
الفصل الأوّل: الحرية المُبذَّرة – المفهوم والمظاهر

الجزء الأوّل: المفهوم

. دواعي الكتابة

ليست هذه الكتابة محاولة ترفٍ نظري، ولا رثاءً لواقع مهدور، بل هي استجابة لسؤال وجودي وأخلاقي ضاغط: هل كنّا نملك الحرية حقًا حين أضعناها، أم كنّا نمتلك فقط إمكانها دون وعي بحقيقتها؟

فالحرية، في أصلها، ليست مكسبًا أوّلًا بل منحة فطرية يولد عليها الإنسان، حيث لا سلطان لغير الضمير، ولا وصاية لغير العقل، ولا قيد سوى ذلك التوازن الطبيعي بين الكائن وحدوده. غير أنّ هذه الحرية الفطرية تبقى حرية غير مكتملة؛ فهي مادة أولية تُختبر، وقابلية لا تُثمر إلا إذا رافقها وعي ومسؤولية وقدرة على تمييز الاستحقاق من الإسراف

وقد كشفت التجارب السياسية والاجتماعية العربية — خصوصًا بعد الثورات — عن مأزق جوهري: الخلط بين نيل الحرية وممارستها، وبين المطالبة بها والقدرة على حملها. وهو ما يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى الحرية ذاتها
هل هي فعل تلقائي أم مشروع أخلاقي؟
هل هي غريزة منفلتة أم وعي منضبط؟
هل تُستهلك أم تُبنى؟

من هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تأصيل سؤال الحرية ضمن بنية أكثر تماسُكًا، تنظر إلى الفطرة باعتبارها انطلاقة لا غاية، وتدرك أنّ كل حرية غير مؤطّرة بالوعي والمسؤولية مرشّحة للتحول إلى ضياع وتبذير

فالحرية ليست حقًا مكتسبًا فقط، بل أمانة تُختبر فيها النفس البشرية. وكما أنّ النعمة امتحان، فإنّ الحرية امتحان أيضًا، حين يتحرر الإنسان من القيود الخارجية ويجد نفسه في مواجهة ذاته

ومن ثَمّ، تنشأ هذه الكتابة من الرغبة في تفكيك وهم الحرية الذي يجعل مجرد غياب السلطة دليلًا على الامتلاك الحقيقي لها، والتنبيه إلى أنّ الحرية التي لا تُستثمر بوعي تُهدر، وأنّ الحرية التي لا يُصاحبها إدراك قد تنقلب على صاحبها، تمامًا كما تنقلب النعمة إلى نقمة حين يُساء التعامل معها.

. مفهوم الحرية المُبذَّرة

إذا كانت الحرية تُمنح أولًا كفطرة، فإنها لا تُستحق إلا بقدر ما تُدرَك، ولا تُثمر إلا بقدر ما تُصان. ومن هذا المنظور يتبلور مفهوم "الحرية المُبذَّرة" ليصف حالة مخصوصة: حين تُلقى الحرية في يد من لم يتأهل لحملها، أو تُمارس خارج إطار الوعي والمساءلة، أو تُختزل في الانفلات والشهوة، فتصبح طاقة مهدورة بدل أن تكون قوة مولِّدة

فالحرية المُبذَّرة ليست حرية غير مضبوطة فحسب، بل هي حرية فقدت بوصلتها الأخلاقية وانقطعت عن مقصدها الحضاري. تتحول إلى تشظٍّ قيمي، أو فوضى تعبيرية، أو تسيّب سياسي، أو عبث فردي يتزيّن بشعارات التحرر بينما ينقض شروطه

جوهر التبذير هنا يكمن في الفصل بين الحرية كحق، والحرية كواجب. فالحرية ليست مطلقة بطبيعتها، بل هي نظام داخلي يضبط علاقة الإنسان بذاته وبغيره. ويبدأ تبذير الحرية حين تُفصل عن هذا النظام وتُعامل كغنيمة تُستهلك، لا كأمانة تُدار

وخطورة الحرية المُبذَّرة أنها تشبه الحرية في ظاهرها، وتناقضها في جوهرها. فهي انفلات يُحتفى به ويُحسب تحررًا، بينما هو في الواقع أحد أشكال العبودية الجديدة
عبودية الذات لهواها
وعبودية الجماعة لفوضاها
وعبودية الدولة لعجزها عن التأطير والمحاسبة

. من الفطرة إلى الفوضى – دراسة في المثال والجوهر

مع اندلاع ما سُمّي بـ"الربيع العربي"، بدا المشهد وكأنّ الحرية تستعاد من قبضة الطغيان، وأنّ لحظة التحرر من القيد هي لحظة ولادة جديدة للإنسان العربي. لكن ما إن هدأ صخب الشوارع، حتى تكشف مفارقة مؤلمة
الإنسان الذي خرج من القيد لم يدخل في المسؤولية، والمجتمع الذي تخلّص من الاستبداد لم يتخلّص من بنيته القهرية العميقة

.. المثال التونسي: من الانعتاق إلى التشتت

تحوّلت تونس — مهد الشرارة الأولى — إلى مختبر مفتوح لتجربة الحرية غير المؤطرة
فُتحت أبواب التعبير بلا بناء لثقافة الحوار
وسُمحت التعددية بلا تأسيس لنخب قادرة على القيادة
وانتشر الخطاب الشعبوي بلا كوابح معرفية أو أخلاقية

فتبددت الحرية كمشروع جماعي، وتحوّلت إلى ساحة تنازع فردي وفئوي

.. التحليل الفلسفي: حرية بلا عقل أخلاقي

فلسفيًا، لا تتحقق الحرية إلا حين تُدار من داخل الذات عبر عقل أخلاقي. وكما يقول كانط
"الحرية الحقة هي أن يُطيع الإنسان القانون الذي يضعه لنفسه."

وحين تغيب هذه المرجعية، تصبح الحرية مجرّد ردّ فعل غريزي على القيد، لا مشروعًا للتجاوز

.. التحليل السوسيولوجي: التفكك بدل التعاقد

في المجتمعات الخارجة من الاستبداد، لم يتشكل التوازن الضروري بين الحقوق والواجبات، بل ظهرت فردانية هجينة تطالب بكل شيء دون أن تقدّم مقابلًا
رفضٌ للسلطة، حتى سلطة القانون
خطاب حقوقي بلا بنى مؤسسية تحمله أو تضمنه

الأحزاب ترفع شعار "الشعب" بلا مشروع
الأفراد يطالبون بالكرامة وهم يساهمون في الفوضى
والإعلام يرفع راية الحرية بينما يغرق المجال العام بالتوتر والانقسام

وقد لخص زيغمونت باومان هذه الحالة بقوله

> "المجتمع السائل هو الذي تُمنح فيه الحرية بلا إطار، وتُستهلك فيه القيم كما تُستهلك السلع."

.. النتائج الوجودية: من المعنى إلى العدمية

إهدار الحرية لا ينتج تفككًا سياسيًا أو اجتماعيًا فقط، بل يولّد فراغًا وجوديًا
إنسان حرّ في شكله، لكنه منفصل عن المعنى
يتحرك دون غاية
وتتحول الحرية إلى عبء نفسي بدل أن تكون خلاصًا

ومن هنا نفهم التحوّل من نشوة الثورة إلى الاكتئاب الجماعي، ومن الانفتاح إلى الحنين للطغيان

. خلاصة مكثّفة

الحرية المُبذَّرة هي اللحظة التي يُلقى فيها المفتاح في يد الطفل قبل أن يعرف باب المسؤولية
ويُمنح فيها الحالم موقع القيادة قبل أن يعرف الطريق
هي فوضى تشبه الحرية لكنها تنقض شروطها
وهي تجربة لم تفشل لأنها أخطأت، بل لأنها حاولت القفز إلى الحرية دون المرور بامتحان الوعي

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال