أزمة العقل الغربي في مقاربة الحالة الإسلامية: بين سوء الفهم وتداعيات القرار
تُظهر التجارب الممتدة من أفغانستان إلى العراق، ومن ملفات “الإسلام السياسي” إلى المواقف المتقلبة من الحركات الإسلامية، أن العقل الغربي ما يزال عاجزًا عن فهم الحالة الإسلامية في عمقها الاجتماعي والنفسي والحضاري. هذا القصور البنيوي أنتج سلسةً طويلة من القرارات التي تحولت — على الرغم من ضجيجها وقوتها — إلى أزمات مرتدة على صانعيها قبل أن تكون ضربة للحركات المستهدفة
واليوم، يندرج قرار اعتبار جماعة الإخوان المسلمين كيانًا محظورًا أو إرهابيًا في السياق نفسه: عقدٌ جديد يُضاف إلى سلسلة ممتدة من محاولات استهداف الإسلام السياسي دون قراءة دقيقة لبنيته الفكرية أو جذوره الاجتماعية أو منطقه الداخلي
عقل غربي… وفهم سطحي للحالة الإسلامية
ينطلق هذا العقل من فرضيات جاهزة، مختزِلة، تنظر إلى الظاهرة الإسلامية باعتبارها “طارئة”، “أمنية”، أو “سياسية ضيقة”، بينما هي في الواقع
ظاهرة حضارية ممتدة
مبنية على تكوين نفسي وروحي خاص بالمجتمع المسلم
ومتجذرة في الهوية قبل أن تكون أداة تنافس سياسي
إن هذا الفهم السطحي جعل الغرب يدخل في صراعات متعددة خرج منها جميعًا خاسرًا أو محاصرًا بنتائج عكسية:
صعود قوى أشد صلابة، اتساع قاعدة الاحتقان، وتنامي النزعة الشعبية الرافضة للتدخل الخارجي.
عقل عربي مستورد… وفشل مضاعف
وعلى الضفة الأخرى، يتكئ جزء من العقل العربي الرسمي على المقاربة نفسها، إذ يتعامل مع التيارات الإسلامية — وعلى رأسها الإخوان — بعقلية أمنية لا تدرك
آليات تشكل الوعي الإسلامي
طبيعة التدين في المجتمعات العربية
الدور العميق للهوية في إعادة إنتاج الحركة الإسلامية مهما اشتدت الضغوط
قرارات الحظر… ونتائج عكسية لصالح الجماعة
وهذا العقل العربي غالبًا ما يصبح أداة لتنفيذ المقاربة الغربية بدل أن يكون قادرًا على بناء مقاربة إصلاحية وطنية مستقلة
تجارب العقود الماضية أظهرت أن استهداف الجماعة — في أي بلد — يؤدي إلى
إعادة بناء داخلي أكثر صلابة ومرونة
تعزيز التعاطف الشعبي معها باعتبارها مكوّنًا هويّاتيًا مستهدفًا
تحولها إلى رمز للمظلومية والشرعية الأخلاقية
تجديد طرحها الفكري والتنظيمي بطرق لا تتوقعها الجهات الراغبة في إنهائها.
وبذلك، يصبح الحظر رافعة غير مقصودة لإعادة تموقع الجماعة داخل المجتمعات، بدل أن يكون خطوة لتقويضها.
الفرصة التاريخية: من استجداء الاعتراف إلى فرضه
إذا كانت الأطراف المستهدِفة تتحرك ضمن جهل مركب بمسار الظاهرة، فإن المطلوب من الجماعة اليوم
. اغتنام هذا الجهل لصالح إعادة تموضع إيجابي داخل أقطارها.
. تعزيز رؤيتها الإصلاحية تجاه الأمة والأوطان
. الانتقال من موقع استجداء الاعتراف إلى موقع فرض الاعتراف من خلال قوة الحضور ووضوح المشروع
. ترميم علاقتها بالمجتمع وبناء اصطفاف وطني واسع حول مشاريع التنمية والحرية والعدالة
إحياء سنة التدافع: نحو مشروع حضاري واقعي
من الواجب – فكريًا وتنظيميًا – أن تستعيد الجماعة مفهوم التدافع كقانون حضاري يفسّر مسارات الصراع والتغيير في التاريخ. فالتدافع ليس مجرد مواجهة، بل هو:
بناء مشروع حضاري متماسك
ترشيد أدوات العمل
وتفعيل طاقات المجتمع وفق رؤية استخلافية شاملة
وبإخراج مفهوم التدافع من الخطاب النظري إلى محاور العمل الواقعية، يمكن للجماعة أن تنتج مشروعًا أكثر نضجًا واتزانًا، يعالج التحديات المعاصرة دون قطيعة مع جذورها الفكرية أو رسالتها الإصلاحية.
خلاصة
إن قرار حظر الإخوان — أو غيرهم من الحركات الإسلامية — ليس إلا حلقة إضافية في مسار طويل من سوء فهم الغرب ومن يواليه لطبيعة الإسلام السياسي. لكن هذا المسار غالبًا ما ينتهي إلى تعزيز الظاهرة لا محوها، لأنه يصطدم بواقع اجتماعي وهوويّاتي لا يمكن تجاوزه.
أما الجماعة، فستظل مطالبة بأن تحول هذا الضغط إلى فرصة استراتيجية لتطوير مشروعها، وتجديد خطابها، وتعميق ارتباطها بالشعوب، لتصبح جزءًا من معادلة المستقبل لا مجرد ضحية لصراعات الحاضر.
أزمة العقل الغربي في مقاربة الحالة الإسلامية: بين سوء الفهم وتداعيات القرار
2025-11-27
713 قراءة
مقالات فكر
حسام سعايدية
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال