يُتداوَل تصوّرٌ متعلّق بالصبر يقول إن قيمته لاحقة عن موضوعه، أي إن الصبر جيّد لأن موضوعه يتطلّب ذلك، وهم يقولون أن الصبر عند الغضب يغيّر حالة النفس من درجة الغضب إلى درجة حالةٍ غيرِ الغضب، وإن الصبر على الأكل يغيّر حالة النفس من درجة الإقبال على الأكل إلى درجة أخرى
بهذا المعنى من الفهم، فإن الصبر يتتبّع ما يتطلّبه الموضوع، وهو يتحرّك في بُعد درجاته
ورغم أن هذا التصوّر عن الصبر فيه جدارة، فإنه ليس البُعد الوحيد المنتج لقيمة الصبر، ولعله أساسًا بُعدٌ ضعيف أمام البعد الآخر الذي اقترحه، وهو بُعد الندرة
--------
التصوّر الذي يبدو لي منتجًا لقيمة الصبر لا يتعلّق بموضوعه مباشرة كما يُتداوَل، وإنما يتعلّق بإنتاج انطباع عن قيمته من خلال خلق معنى النّدرة
تفصيل ذلك أن الصبر جيّد لأنه يضيف قيمة متخيَّلة للموضوع عن طريق جعل مجاله ومحتواه ليس في المتناول، أو على الأقل صعب التناول
وكلّما ضعف الوصول إلى الموضوع أي ازدادت ندرته، ازدادت قيمته، وهي قيمة ليست بالضرورة نابعة من الموضوع، وإنما متأتّية من أمرٍ أضافه طالبُ الموضوع، أي إن القيمة لم تتأتَّ من متعلَّق الصبر، وإنما من حاجة الفرد ورغبته فيما حُرم منه
بهذا المعنى، فإن الصبر يخلق القيمة بتوظيف فكرة الندرة، لا بارتباطه بموضوعه كما نتصوّر
لو طبّقنا فكرة الندرة وآليّتها لخلق القيمة، فإن كثرة الكلام مثلًا تُضعف قيمته، بينما قلّة الكلام، أي الصبر عن الكلام أي الندرة، تخلق قيمة مضافة للحديث، وكلّ ذلك في غير تعلّق بموضوع الحديث وباستقلال عنه
ويمكن تطبيق فكرة الندرة في كلّ مجال تقريبًا، وستجد في كلّ مرة أن المتاح، أي ما لا يُصبر عنه، يكون أقلّ قيمة مما لو كان غير متاح، وهو ما يتعلّق بالصبر
بهذا المعنى، يمكن الخروج بفكرة أن الصبر تتأتّى قيمته من فكرة الندرة، وهو أمر لا يتعلّق بموضوع الصبر، وإنما بانطباع الفرد عن الموضوع من زاوية مدى توفّره
---------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود
قيمة الصبر ليست في موضوعه، وإنما في آلية الندرة: نموذج الكلام
2025-11-26
1016 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال