لم تكن تونس يومًا مجرّد قطعة يابسة معلّقة بين رمال الصحراء ومياه المتوسط.
كانت، وما تزال، فكرة جغرافية تتقدّم على حدودها، وكأن البحر نفسه قد تواطأ مع التاريخ كي يصنع لها قدرًا أكبر من حجمها، ثم انتظر ستة عقود ليرى من سيستيقظ ليلبي النداء. كان البحر، منذ القرطاجيين، يكتب لهذه البلاد رسائل مستعجلة،
لكن أحدًا لم يقرأها بالكامل.
ظلّ النصّ منقوصًا، والفرصة معلّقة، والبحر مُهملًا كأنه جدار أو كهف، لا ممرًّا لثروات الأمم.
ولمّا اهتزّ العالم في العقدين الأخيرين،
ولمّا تغيّرت طرق التجارة ومسارات الطاقة وموازين القوة البحرية،
بدا أنّ تونس تعود إلى الواجهة من حيث لا يتوقّع أحد… ولكن في شكل سؤال كبير:
هل هذه البلاد مستعدّة أخيرًا لتخرج من صمتها البحري الطويل؟
أم ستظلّ، مثل بطل تراجيدي، يعرف قدره ويهرب منه في الوقت نفسه؟
الذين يفهمون معنى الجغرافيا يعلمون أنّ البحر لا ينتظر. البحر مثل الزمن: إمّا أن تدخل إليه بقوة وتحوّله إلى اقتصاد وسيادة ونفوذ، وإمّا أن يبتلعك كأنك لم تكن.
وها نحن اليوم أمام لحظة يتقاطع فيها كل شيء: التكنولوجيا، الصراع الدولي، اقتصاد الطاقة، الكابلات البحرية، تجارة الترانزيت، تحوّلات المغرب العربي، وصراع الموانئ الممتدّ من جبل طارق إلى قناة السويس.
إنها لحظة لا تمنح لتونس كثيرًا… لكنها قد تمنحها كل شيء إذا قرّرت.
والقارئ المتابع يعرف أن المتوسط ليس بحرًا عاديًا؛ إنه بحر الإمبراطوريات القديمة والجديدة.
من يسيطر على نقاطه، أو يقدّم نفسه نقطة عبور، تتبدّل له أحوال الاقتصاد وتتحول قدراته السياسية.
ولذلك لم يكن صدفة أن المغرب، في العقدين الأخيرين، بنى أكبر ميناء في إفريقيا "طنجة المتوسط" وجذب وحده أكثر من 80 مليار دولار من الاستثمارات اللوجستية والصناعية في عشر سنوات.
ليست معجزة، بل عقلية.
والمغرب ليس أقوى جغرافيًا من تونس، بل هو أبعد عن أوروبا، ومع ذلك قفز.
معنى هذا أن الجغرافيا تعطينا، لكننا لم نحسن استخدامها.
تونس، العائمة على 1300 كيلومتر من السواحل، وذات المسافة الأقرب نحو صقلية،
قادرة على أن تكون المنصة الأكثر كفاءة في جنوب المتوسط.
ولكن ماذا فعلنا؟
تركنا الموانئ تتقادم، والطرق تختنق، والقطارات تتعطّل، والديوانة تغرق في أوراقها القديمة،
وكأننا نواجه البحر بعقلية يابسة.
فكّرنا على طريقة المدن، لا على طريقة الإمبراطوريات.
ومع ذلك، ما تزال الفرصة الذهبية قائمة،
بل ربما لم تكن أقوى ممّا هي عليه الآن، لأن العالم يبحث عن مسارات جديدة أكثر استقرارًا،
وتونس يمكن أن تكون هذا المسار.
يكفي أن نفتح أي تقرير دولي حديث لنفهم حجم الكارثة وحجم الفرصة معًا:
95% من تجارة تونس تمر عبر البحر، لكن كفاءة الموانئ تراجعت، وحجم الحاويات انخفض، وتكاليف البيروقراطية الجمركية تضيف 15 إلى 20% على صادراتنا، وكأننا نُعاقب أنفسنا.
ميناء رادس، شريان البلاد، يعمل أحيانًا بطاقة أقل من 60%، بينما الموانئ المنافسة في المنطقة تبلغ كفاءتها 85 إلى 95%. والنتيجة؟ بضائعنا تصل متأخّرة، وتكلف أكثر، وتُفقد جزءًا من قدرتها التنافسية.
لكن أسوأ ما حصل ليس التراجع التقني… بل ضياع الرؤية. لقد دخل المغرب سباق الموانئ، ودخلت مصر سباق القناة والمناطق الاقتصادية، ودخلت السعودية سباق سلاسل التوريد العالمية…
بينما ظلت تونس تنظر إلى البحر كأنه فضاء سياحي فقط، لا منصة اقتصادية.
وكأنّنا نعيش في البلاد الوحيدة التي لم تكتشف بعد أن اقتصاد القرن الحادي والعشرين هو اقتصاد الموانئ، والطاقة، والكابلات البحرية، ونقاط الربط اللوجستي.
نعم، الكابلات البحرية… تلك العروق الزجاجية التي تحمل أكثر من 97% من الإنترنت العالمي. من لا يفهم قيمتها اليوم، لن يفهم معنى الجيوسياسة الحديثة.
يكفي أن نعرف أن كابلًا واحدًا يربط أوروبا بإفريقيا يمكن أن يدرّ مئات الملايين سنويًا من خدمات الحوسبة والعبور المعلوماتي.
وتونس، بحكم الجغرافيا، هي المسار الأقصر بين غرب المتوسط وعمقه الإفريقي.
إنّ تحويل البلاد إلى نقطة هبوط رئيسية للكابلات يمكن أن يغيّر مستقبلها الرقمي بالكامل، ويحوّلها مركز بيانات إقليمي كما فعلت الدار البيضاء أو مرسيليا.
لكن هذا ليس كل شيء؛ فالبحر ليس فقط طريقًا للتجارة أو سلكًا للإنترنت،
بل هو أيضًا خزان للطاقة.
العالم يتّجه نحو الطاقة البحرية:
الرياح البحرية، الهيدروجين الأخضر، المحطات العائمة. أوروبا تبحث الآن عن جنوبٍ مستقرّ لتصدير الطاقة النظيفة إليها، وتونس يمكن أن تكون هذا الجنوب.
يكفي مشروع واحد بسعة 3 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية ليجلب استثمارات تتجاوز 6 مليارات دولار، ويوفّر آلاف الوظائف،
ويمكّن البلاد من تصدير الطاقة نحو إيطاليا عبر الربط الكهربائي وهو مشروع مطروح منذ سنوات ولم يتحرك إلا ببطء يشبه نوم الدول الصغيرة.
ولنكن صريحين:
المشكلة ليست في الشعب، ولا في الجغرافيا، ولا في غياب الكفاءات.
المشكلة في العقلية التي ما تزال تنظر إلى البحر بعين إدارية، لا بعين استراتيجية.
عقلية لا تفهم أن العالم أصبح يُدار من الموانئ، وأن الدولة التي تملك ميناءً قويًا، تملك اقتصادًا قويًا، وأن كل ما عدا ذلك تفاصيل.
حتى الجيش، الذي ظلّ بعيدًا عن الاقتصاد، يمكن أن يكون جزءًا من النهضة البحرية.
ليس في تسليح البحر فقط، بل في إدارة البنية اللوجستية الحساسة، وتأمين الكابلات والطاقة والموانئ.
الجيوش الحديثة لا تقاتل فقط، بل تحرس الثروات.
والبحر التونسي، بتقاطعه مع طرق تهريب دولية، ومع مصالح طاقية، ومع تجارة تقدر بمليارات، يحتاج إلى عقل عسكري في جزء من تنظيمه، لا إلى بيروقراطية تُغرقه بالمحاضر والتقارير.
ولكي نفهم أين تقف تونس في هذا السباق، علينا أن نقرأ حركة المتوسط منذ عشرين سنة:
صعود المغرب بميناء طنجة،
صعود مصر بتطوير قناة السويس،
صعود تركيا كمصنع بحري ضخم،
صعود إسبانيا بترانزيت الحاويات…
بينما تونس بقيت في مكانها،
تراقب السباق من بعيد.
لكنها لم تخرج منه.
وهذا هو المهم.
السباق لم ينته.
البحر لم يُغلق.
والجغرافيا ما تزال تمنح تونس فرصة أخيرة.
وإذا كان التاريخ معلّم الشعوب، فإن تاريخ تونس البحري يذكّرنا بأن هذه البلاد، يوم كانت تقود المتوسط، لم تكن غنية بالصدفة.
كانت غنية لأنها فهمت اللعبة:
البرّ يعطي الأمن،
والبحر يعطي النفوذ.
من يربط الاثنين، يصبح قوة.
لذلك ازدهرت قرطاج، ولذلك ازدهرت تونس الحفصية، ولذلك تنافست عليها القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر.
البحر لم يتغيّر، لكن الذين حكموا البلاد هم الذين تغيّروا، وتركوا البحر يفلت من أيديهم.
واليوم، ونحن في زمن تتصارع فيه القوى الكبرى على آخر نقاط المرور الاستراتيجية من باب المندب إلى مالطا إلى جبل طارق
تبدو تونس وكأنها قطعة الشطرنج التي نسي اللاعبون أهميتها.
لكنها قطعة قد تقلب اللعبة إذا وُضعت في المكان الصحيح. فالشركات العالمية تبحث عن ميناء قريب من أوروبا، آمن، غير مكلف، وقادر على تقديم سرعة لوجستية.
الدول تبحث عن خط طاقة نظيف وقصير.
شركات التكنولوجيا تبحث عن نقطة إنزال للكابلات.
وتونس يمكن أن تلبي كل ذلك… إذا تحرّكت.
لكن الحركة لا تكفي؛ يلزمها منهج.
الاقتصاد لا يرتفع بالشعراء وحدهم، بل بالخطط.
والخطط لا تولد في المكاتب المغلقة، بل في فهم الواقع. وواقع تونس اليوم يحتاج إلى قفزة تشبه القطيعة.
نحتاج إلى استثمار سريع في تطوير الموانئ:
رادس ليصبح محورًا للحاويات،
بنزرت ليصبح نقطة للصناعات الثقيلة،
صفاقس للعبور الفلاحي والصناعي،
وسوسة كميناء سياحي اقتصادي.
نحتاج إلى ربط الموانئ بالسكك الحديدية،
إلى رقمنة الديوانة،
إلى تبسيط الإجراءات،
إلى خلق مناطق اقتصادية متكاملة تضم المصانع والخدمات والتخزين،
إلى بناء بنية تحتية للطاقة البحرية،
وإلى تحويل البلاد إلى نقطة محورية للبيانات.
هذا ليس حلمًا.
هذه معادلة معروفة في الاقتصاد:
دولة تملك موقعًا + ميناء قويًا + مناطق صناعية + ديوانة سريعة = قوة تصدير + جاذبية استثمار + نفوذ جيوسياسي.
الخبراء يتحدثون عن رقم مهم:
تحسين الكفاءة اللوجستية في تونس قد يرفع الناتج المحلي بنسبة 4 إلى 5% خلال أربع سنوات، وبنسبة 11 إلى 14% على المدى الطويل.
هذه أرقام هائلة، تكاد تساوي اقتصادًا جديدًا يولد من البحر. وإذا أضفنا إليها مشاريع الطاقة البحرية، يمكن أن نتحدث عن عشرات الآلاف من الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
وإذا أضفنا إليها الكابلات البحرية، يمكن أن نتحدث عن صناعة رقمية كاملة تُنقل إلى تونس.
وإذا أضفنا إليها المناطق الاقتصادية، يمكن أن نعيد الصناعة التونسية إلى الواجهة.
كل هذا ليس وهمًا، بل حسابات واضحة.
لكن، بطبيعة الأشياء، كل مشروع كبير يولد تحت ظل صراع. التغيير ليس عملاً إداريًا، بل معركة.
معركة مع البيروقراطية التي تتشبث بمكاتبها القديمة.
مع النقابات التي تخاف من كل جديد.
مع المصالح المتشابكة التي تعيش من تباطؤ الدولة.
مع عقلية الخوف من الخطأ.
مع رواسب التاريخ.
مع الخوف من البحر نفسه.
وهذه المعركة لن يخوضها إلا من يعرف أنّ الزمن، حين يُفوَّت، لا يعود.
وأنّ الجغرافيا، حين تُهمل، تعاقب.
ولأن لكل مشروع أسطورة صغيرة تحرسه، فإنّ أسطورة تونس الجديدة، إذا كانت ستولد، فستولد من البحر.
من فكرة بسيطة تقول إن هذه البلاد لم تُخلق لتكون حدودًا، بل لتكون منصة.
لم تُخلق لتكون تابعًا، بل ليُعاد التفاوض معها.
لم تُخلق لتكون دولة فقيرة، بل دولة مؤجلة تنتظر من يوقظها.
ومن يوقظها ليس الساحل وحده، بل الشعب كله:
البحّار، المهندس، الطالب، الحرفي، المستثمر، الجندي، العالم، ورجل الدولة
يفهم أن البحر ليس جغرافيا فقط، بل قدر سياسي.
وحين تبدأ تونس في إعادة بناء علاقتها بالبحر، ستكتشف فجأة أن خريطتها تتوسّع، لا جغرافيًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا. ستصبح في عيون أوروبا أكثر من جار:
ستكون مصدرًا للطاقة،
نقطة عبور،
شريكًا لوجستيًا.
ستصبح في عيون إفريقيا بوابة شمالية محترمة.
ستصبح في عيون الشرق الأوسط نقطة ربط.
وستصبح في عيون الشركات العالمية خيارًا لا يمكن تجاهله. هذه ليست مبالغة، بل واقع الدول التي فهمت قواعد اللعبة.
ولأن التاريخ يحبّ المفارقات، فإن تونس، التي ظلت لعقود تبحث عن نموذج، يمكن أن تصبح نموذجًا.
وإذا سُئلت يومًا كيف حصل ذلك، سيكون الجواب بسيطًا: لأن البحر، الذي تجاهلناه طويلًا، لم يتخلّ عنا.
لأن الجغرافيا، التي غضبت منا، منحتنا فرصة أخيرة.
لأن الشعب، الذي تعب من الانتظار، كان مستعدًا.
ولأن الدولة، مهما تأخرت، يمكنها أن تستيقظ إذا فهمت الدرس.
وها نحن الآن، على حافة فصل جديد، نكتب ما يشبه بداية الرواية التي كان يجب أن تكتب منذ زمن.
رواية تقول: إن تونس، التي طال نومها، يمكن أن تكون منصة المتوسط، إذا أرادت.
ويمكن أن تكون قوة، إذا امتلكت الشجاعة.
ويمكن أن تصبح دولة من دول القرن، إذا رفعت رأسها نحو البحر وقالت له:
هذا زمننا.
تونس كانت تنام على كنزٍ بحريّ… والبحر بدأ يطالب بفوائده المتأخّرة
2025-11-25
469 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال