من يقرأ تاريخ الدول يدرك أن الدولة ليست مجرد أعلام تُرفع فوق المباني، ولا أختام تُضرب على الوثائق، ولا حكومات تتغيّر مع تداول الأيام،
بل هي قبل كل شيء “نظام تغذية” و“منظومة توزيع” و“إدارة للجوع” و“سلطة على الخبز”،
لأن الشعوب يمكنها أن ترفع شعار الحرية ألف مرة، لكنها لا تستطيع أن ترفع شعار المجاعة مرّتين،
ولذلك فإن كل دولة وُلدت في العالم من الإمبراطوريات الأولى في مصر وبلاد الرافدين إلى الجمهوريات الحديثة في أوروبا وآسيا
كانت تُؤسّس سلطتها من مخازن الحبوب قبل أن تُؤسّسها من مخازن السلاح، وتبسط نفوذها على القمح قبل أن تبسطه على الأرض،
لأن السيطرة على الرغيف كانت دائمًا أكثر فعالية من السيطرة على السيوف.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الدواوين في تونس : ديوان الحبوب، الزيت، الوقيد، السكر، القهوة… إلا بوضعها داخل هذا السياق التاريخي العالمي العميق، حيث تتقاطع قوتان:
قوة الدولة التي تخشى الجوع الشعبي،
وقوة السوق التي تخشى الفوضى الربحية؛
ومن هنا تولد “الدواوين” بوصفها حلولًا سياسية قبل أن تكون آليات اقتصادية، وكتسويات اجتماعية قبل أن تكون أجهزة توزيع.
ظهرت نواة هذه المؤسسات في تونس الحديثة في زمن الحماية الفرنسية، لا حبًا في الشعب، بل حرصًا على منع الانتفاضات الشعبيّة التي كان الجوع دائمًا يحرّكها أكثر مما تحركها السياسة،
فنظّمت الإدارة الفرنسية سلاسل توريد القمح، وحدّدت الأسعار، وأقامت مخازن احتياطية، ثم ورثت الدولة التونسية بعد الاستقلال هذه “البنية الأمنية الغذائية” وطوّعتها في شكل دواوين رسمية، لتصبح:
ديوان الحبوب (1960)
ديوان الزيت (1962)
ديوان التجارة (1958)
ديوان الوقيد (لاحقًا ضمن مهام وزارة الصناعة)
والاحتكارات العمومية للقهوة والسكر والشاي
هذه المؤسسات لم تُخلق لتكون اقتصادية، بل لأن بورقيبة كان يفهم أن الاستقرار السياسي يمرّ عبر تموين الجماهير، وأن الدولة الفتية التي خرجت من الاستعمار لم تكن قادرة على ترك السوق حرّة،
لأن السوق الحرة في بلد فقير تعني شيئًا واحدًا فقط:
“حرية التجويع”.
من يظن أن الدعم اختراعًا تونسيًا فهو لم يقرأ التاريخ.
الدعم قديم قدم الحضارة نفسها.
في مصر القديمة، كان الفراعنة يدعمون الخبز
في روما، كان الغداء الشعبي “Annona” آلية لدعم الحبوب لتجنب ثورات “الجمهور الروماني”.
في بريطانيا في القرن 19، تدخلت الدولة مرارًا لضبط أسعار الحبوب بعد مجاعة البطاطا.
في اليابان الحديثة، أعيد هيكلة دعم الأرز بعد الحرب العالمية الثانية لإنقاذ الإنتاج الزراعي.
في أوروبا اليوم، يستنزف “الدعم الزراعي الأوروبي CAP” أكثر من 55 مليار يورو سنويًا لحماية الفلاحين والأسعار.
أما أكثر التجارب درامية فكانت في مصر (1977) حين أدى رفع دعم الخبز إلى “انتفاضة الخبز” التي كادت تُسقط الدولة.
وفي الأرجنتين، أدى إلغاء الدعم إلى انهيار طبقات كاملة وعشر سنوات من الفوضى.
وفي إندونيسيا 1998، أدى رفع دعم الوقود إلى سقوط النظام نفسه.
الدعم إذن ليس رفاهًا… بل صمام أمان سياسي واجتماعي.
لماذا دعمت تونس موادها الأساسية؟
لأنها دولة ذات دخل محدود، ولأن 70% من استهلاك العائلة التونسية يذهب نحو الغذاء والمواصلات، ولأن ترك هذه القطاعات للتجار سيحوّل الشعب إلى رهينة.
الدعم كان ضرورة لثلاثة أسباب:
تفادي الثورات
إعادة توزيع الثروة عبر الأسعار
إبقاء الطبقة الوسطى حيّة
لكن ما حدث لاحقًا هو تحوّل الدعم من “أداة للحماية الاجتماعية” إلى “أداة لفساد منظم”، ومن “منقذ للشعب” إلى “مغارة علي بابا” يدخلها السماسرة والخونة وتجار التهريب.
المشكلة ليست في الدعم… بل في من يديره
الدواوين اليوم ليست أجهزة اقتصادية، بل مستوطنات بيروقراطية تعيش على الميزانية مثل الطفيليات، وتستهلك أكثر مما تنتج، وتحمّل الشعب تكاليف سوء إدارتها.
الدعم الذي يُفترض أنه للفقراء يذهب:
35% منه للتهريب
25% منه للأغنياء والمطاعم والفنادق
15% منه لشبكات الفساد
والباقي يصل للشعب بعد أن يمرّ عبر ألف يد وألف جيب.
وهنا تصبح الدولة، بقصد أو دون قصد، تموّل مافيات بدل أن تموّل المواطنين.
الاحتكار العمومي، الذي كان يومًا صمام أمان، أصبح اليوم:
قاتلًا للتنافسية
خانقًا للمبادرة الخاصة
مانعًا للاستثمار الزراعي
ومعطّلًا للابتكار والإنتاج
لأن من يبيع “بالسعر المحدّد” لا يمكنه أن يستثمر، ومن ينتج “بلا ربح” لا يمكنه أن يتطور.
المغرب انتقل من الدعم الشامل إلى “الدعم الموجّه” باستعمال قواعد بيانات دقيقة، فتوقفت مافيات السكر والزيت عن الثراء.
البرازيل ابتكرت “Bolsa Famlia” واستثمرت في تمكين الفقراء بدل دعم الأسعار.
تشيلي استفادت من نظام كوبونات ذكية.
فرنسا رفعت أسعار الطاقة لكنها ضاعفت التعويض المباشر للفقراء.
الأردن وضع منصة “تكافل” لتعويض نقدي مباشر.
القاعدة الذهبية اليوم:
الدعم يجب أن يذهب إلى المواطن… وليس إلى صاحب الشاحنة.
لا يمكن الاستمرار بهذه الصيغة؛ فالدواوين تحولت إلى:
“خنادق” لأصحاب النفوذ
“ماكينات” للولاءات
“مكاتب” يمر عبرها كل شيء إلا الكفاءة
إما:
تحويل الدعم إلى تحويل نقدي مباشر
رقمنة كل المنظومة
فتح السوق تدريجيًا دون صدمة اجتماعية
تحويل الدواوين إلى أجهزة رقابة لا أجهزة تجارة
استثمار الذكاء الاصطناعي لتوقع الاستهلاك والحد من التهريب
أو أن تونس ستظل سجينة دوامة لا تنتهي:
“نمو اقتصادي ضعيف، عجز مالي ،فساد ، نقص سلع ، دعم أكبر ، فقر أكبر”.
الدواوين وُلدت من الخوف، وعاشت على الخوف، وتُدار بواسطة الخوف.
وحين تصبح الدولة خائفة من الشعب، والشعب خائفًا من الأسعار، والأسعار في يد الفاسدين…
فهذا ليس اقتصادًا، بل مسرحية طويلة اسمها الدولة،
وكل ممثل فيها يرتجل دوره حسب جيبه لا حسب ضميره.
والحلّ كما يقول التاريخ ليس في إلغاء الدعم، بل في إلغاء “الوكلاء” بين الدولة والشعب.
فالأمم التي تحررت من الفقر لم تُلغِ الدعم، بل ألغت السماسرة.
مملكة الدعم:حين يصبح الرغيف سلاحًا سياسيًا والدواوين دولة داخل الدولة
2025-11-23
225 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال