ملاحظات البداية
- المرسوم هو نصٌّ تشريعيٌّ مؤقّت يصدر عن سلطة ليست لها الصلاحية القانونية للتشريع، ولكنّها تُضطرّ له لغياب السلطة الشرعية أو لتعطّلها مؤقتًا، ولذا فهو يُوضع مؤقتًا حتى تنتصب السلطة التشريعية الشرعية وتراجعه إمّا بتحويله إلى قانون أو بإلغائه. ولذلك فإنّ المراسيم تصدر في الظروف المضطربة حين تسقط السلط الشرعية للتشريع أو تتعطّل، مثل الثورات أو التمرّدات.
- بعد انهيار النظام الحاكم بتونس في 14 جانفي 2011 وقع حلّ مجلس النواب (23 مارس 2011)، وتولّت رئاسة الجمهورية المؤقتة (فؤاد المبزع) إصدار المراسيم المعوِّضة للقوانين إلى حين انتخاب سلطة تشريعية جديدة (مجلس تأسيسي) تتكفّل بالمهمّة وتراجع ضمنيًا كلّ المراسيم الصادرة.
- في هذا المناخ المضطرب سياسيًا-أمنيًا ونفسيًا صدر المرسوم 88 الخاص بتنظيم الجمعيات في 24 سبتمبر 2011 قبل شهر بالضبط من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (سُمِّي وطنيًا رفضًا للنعت القومي لأنّ النخب المهيمنة كانت ترفض فكرة الأمة التونسية).
- هذا المرسوم ألغى قانون الجمعيات (القانون عدد 154 المؤرخ في 7 نوفمبر 1959) وقانون المنظمات غير الحكومية (القانون عدد 80 المؤرخ في 26 جويلية 1993)، وتحوّل منذ إصداره بالرائد الرسمي إلى الإطار القانوني الوحيد الذي ينظّم نشاط الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التونسية والأجنبية الناشطة بتونس.
- لم يكن هذا المرسوم مطلبًا شعبيًا أو ثوريًا، ولم تخرج مظاهرات تطالب بتنظيم جديد للجمعيات، ولم يحصل أي نقاش عام حوله، ورغم أنّ عديد المسلّمات — بما فيها المقدّسة — وقع نقاشها بعد ثورة 2011، فإنّ النشاط الجمعياتي وتنظيمه لم يكن ضمنها.
- في الظروف التونسية سنة 2011 (سنة انفجار التسيّب وكلّ أنواع الانفلاتات) لم يكن تنظيم الجمعيات أمرًا ملحًّا أو ضروريًا أو حيويًا، وكان بالإمكان ترك هذه المهمة للمجلس التأسيسي الذي سيتولى وضع دستور جديد وإعادة تنظيم كلّ الحياة العامة على أساسه.
- إذن فالمرسوم 88 الخاص بتنظيم الجمعيات صدر من سلطة مؤقتة فاقدة لكلّ شرعية (في انتظار انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي ستفرز السلط الشرعية الجديدة)، وبدون أي حاجة ملحّة سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وقبل شهر من انتخابات 23 أكتوبر 2011 الموكول لها تحديد سلطة تشريع ستتولّى وضع الدستور الذي يفترض به أن يكون القاعدة القانونية لكلّ نصٍّ ينظّم الحياة العامة الجمعياتية-الحزبية-النقابية والإعلامية.
- إذن فإنّ صدور هذا المرسوم (الذي ليس له أي سند منطقي أو شرعي) يلوح كأنه فعل استعجالي متسرّع واستباقي، حيث إنه من المحتمل أن السلطة المؤقتة — بتأثير من المكوّنات المسيطرة على هيئة تحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي (شهرت هيئة بن عاشور) أو تحت ضغط من القوى الأجنبية (بتأثير الاستدانة من الخارج) — اضطرت لإصدار المرسوم تحسّبًا لطرح النازلة على الرأي العام التونسي (الذي تتوقّع رفضه أو تحفّظه على عديد النقاط) لو تُركت للمجلس الوطني التأسيسي مستقبلاً.
- المثير في أمر هذا المرسوم أنّه مرّت تحوّلات رهيبة بتونس منذ إصداره، حيث تعاقبت الدساتير والرؤساء والحكومات والأحداث، وظلّ هو ثابتًا كرمز لهيمنة منظومة التبعية–الولاء للخارج على الدولة والحياة العامة في تونس.
-؛إنّ عملية التشريع تتطلّب الهدوء والدراسة والتعمّق والحساب السياسي البارد والمنطقي، وهذا الأمر لا يكون ممكنًا في أجواء الضغوط الرهيبة مثل ما وقع سنة 2011، وخاصة حين يصدر عن جهات مؤقتة مضطرة للتنازل أمام كلّ أنواع المطلبيّات الداخلية والخارجية دون أي اعتبار للسيادة والمصلحة العامة التونسية، كما هو حال الرئاسة والحكومة المؤقتتين حينها.
- تنظيم الحياة الجمعياتية ليس أمرًا هيّنًا أو هامشيًا لأنه يمسّ كلّ مستويات الحياة التونسية من السياسة إلى الاقتصاد إلى الثقافة إلى الدين والرياضة، ولذلك فهو هام جدًا، وليس من المنطقي أو الشرعي أن يُترك لمرسوم وُضِع في ظرف مضطرب من طرف سلطة غير شرعية وتحت الضغوط الداخلية والخارجية وبمعزل عن أي نقاش عام أو أي حسابات للمصلحة والسيادة والقيم العامة التونسية.
- إنّ خطر المرسوم 88 (كما سنبيّنه في مقالات مقبلة) الخاص بتنظيم الجمعيات يمسّ كلّ أوجه الحياة التونسية من القرارات العليا للدولة حتى نوع العلاقة التي تربط بين الزوجين والتوجهات الجنسية والتناسلية للشباب التونسي مستقبلاً.
- إنّ الانتصار في الحرب الوجودية–السيادية التي تخوضها الأمة التونسية حاليًا يتطلّب ضرورة الانتصار في المعركة ضدّ المرسوم 88 وإلغائه أولًا، ومن ثمّ تعويضه بقانون للجمعيات يفرض التونسة التامة للنشاط الجمعياتي من كلّ النواحي (التكوين–الانخراط–التمويل والتشبيك) ومنع وتجريم أي تداخل أجنبي فيه.
خطر المرسوم 88 على تونس -الجزء الأول
2025-11-22
805 قراءة
مقالات بحوث
سفيان بن الصغير
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال