بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

رسالة الحرية : في ولادة الإنسان من نفسه

2025-11-20 692 قراءة مقالات رأي محمد علي العقربي
1
يا صديقي
يولد الإنسان مرة واحدة حين يخرج إلى العالم، ثم يولد مرة ثانية حين يكتشف ذاته، وهذه الولادة الثانية هي التي تعطي للحياة معناها العميق.
فالحرية ليست حدثاً يمكن الاحتفال به، وليست ضوءاً يسطع فجأة، بل هي مسار طويل ينضج فيه الوعي، وتتكشف فيه حدود النفس، ويبدأ فيه الإنسان بتحمل مسؤولية وجوده كاملة.
الحرية ليست ثوباً نرتديه أو شعاراً نرفعه، بل هي موقف روحي داخلي يعلن فيه الإنسان أنه لم يعد نسخة من انتظارات الآخرين، وأنه قرر أن يدخل الزمن بقدميه هو، لا بخطوات صممت له من قبل.
إن كل محاولة للهروب من المسؤولية هي محاولة للهروب من الحرية، لأن الحرية ليست امتيازاً، بل عبء يضعك وجهاً لوجه مع نتائج اختياراتك، ويمنعك من الاحتماء بالظروف أو الاحتماء بالناس.
يا صديقي
أول القيود التي تكبل الإنسان لا تأتي من المجتمع، بل تتولد في داخله من خوف عميق من التغيير، وخوف من فقدان الاحترام، وخوف من أن يصبح مختلفاً عن محيطه.
وهذه القيود الخفية أكثر قسوة من كل القوانين، لأنها تقييد يصدر من الداخل لا من الخارج، ولأن الإنسان يخضع لها وهو يظن أنه يمارس السلامة.
ولهذا كانت الحرية عملاً يبدأ من الداخل، عملاً يفتت هذه المخاوف حجراً بعد حجر، حتى يقف المرء على قدميه من جديد.
الحرية ليست حالة من الفوضى، بل هي معرفة دقيقة بما تستحقه الروح.
هي وعي بأن التجربة أهم من السلامة، وأن الخطأ طريق من طرق الفهم، وأن العودة إلى النفس أعظم من الهروب إلى الآخرين.
إن الإنسان الذي يخشى التجربة يظل أسير دائرة صغيرة تمنحه شعوراً زائفاً بالأمان، بينما العالم الواسع ينتظر منه خطوة واحدة كي يبدأ اتساعه الحقيقي.
وفي داخل كل واحد منا باب مغلق لا ينفتح إلا عندما نصل إلى لحظة صدق مع ذاتنا.
لحظة نقول فيها إننا لم نعد قادرين على حمل الأدوار التي فرضها الناس علينا، وإننا نريد أن نكون أنفسنا، لا ما يتخيله المجتمع.
وحين نبلغ هذه اللحظة نكتشف أن السجن لم يكن خارجنا، بل كان في تلك الصورة التي كنا نخشى أن نخالفها.
يا صديقي
الحرية لا تعني التخلي عن الروابط الإنسانية، بل تعني ترتيبها على أساس من النزاهة والصدق.
أنت حر حين تستطيع أن تحب دون أن تفقد نفسك، وأن تعطي دون أن تمحو وجودك، وأن تسير في المجتمع دون أن تذوب فيه.
إن الحرية ليست قطعاً للعلاقات، بل تحويلها إلى مساحة حقيقية تلتقي فيها الأرواح دون قسر أو اضطرار.
والحرية ليست تمرداً على السلطة فقط، بل هي تمرد على كل ما هو زائف في الداخل.
هي رفض للعادات التي نكررها بلا فهم، ورفض للأفكار التي نحملها دون تفكير، ورفض للرضا بحياة ضيقة لا تليق بامتداد الروح.
الحرية هي شجاعة السؤال، وشجاعة الاعتراف بأن كثيراً مما نحمله ليس لنا، وأن كثيراً مما ندافع عنه لا يعبر عنا.
ومن يبلغ الحرية الحقيقية يكتشف أن الحرية ليست أن تفعل كل ما تشتهي، بل أن تفهم دوافعك بوضوح، وأن تختار فعلك عن معرفة لا عن اندفاع، وأن تضع نيتك في مكانها الصحيح.
فالإنسان الحر ليس من يتحرك بلا قيود، بل من يعرف قيوده، ويتعامل معها بوصفها تحديات لا مصائر ثابتة.
يا صديقي
الحرية ليست محطة نصل إليها ثم نرتاح، بل هي طريق يتجدد كل يوم.
وطالما كنت تفكر وتراجع وتعيد النظر وتضع يدك على حقيقة جديدة تخصك فأنت في قلب الطريق.
إن الحرية ليست وعداً بعيداً، بل ممارسة يومية تشبه تنفس الروح نفسها.

وفي النهاية
لا يخلد الإنسان بطول عمره، بل بقدر ما تحرر من الخوف، وبقدر ما عاش حياته بوصفها تجربة شخصية صادقة لا نسخة باهتة من حياة الآخرين.
فالخلود الحقيقي هو أن يعيش الإنسان حياة تشبهه، حياة لم يتخل فيها عن نور داخله مهما اشتد الظل من حوله.

التعليقات والردود

1
خولة
2025-11-20
الحرية في الأصل استحقاق وليست امتيازًا، فهي حق يولد مع الإنسان ولا تُمنح له بشروط أو تُنتزع منه بذرائع. غير أنّ مجتمعاتنا العربية ما زالت تتعامل مع الحرية كمنحة تُعطى من سلطة أو تُقيّد بعادات، فتغدو في كثير من الأحيان مجرد شعار مُعلَّق لا واقع مُعاش. وما لم ندرك أن الحرية أساس لكرامة الإنسان وتقدّمه، وأن صونها مسؤولية جماعية لا ترفًا اجتماعيًا، سنظل ندور في حلقاتٍ مفرغة من المطالبات دون أن نصل إلى ممارستها الفعلية ..

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال