في قلب العاصمة التونسية،
عند تخوم التاريخ الشعبي وخرائط الوجدان،
وبين ربضَي باب سويقة وباب الجديد،
كانت المدينة تكتب صفحاتها خارج دفاتر المؤرخين. لا في سجلات الباي ولا في بلاغات المفوض الفرنسي.
كانت الحكاية تُروى لا بالحبر، بل بالشفاه.
تُتداول من مقهى إلى مقهى، من أمّيّة إلى مثقّف، من بائع الخضر إلى شيخ الزاوية.
وهكذا وُلدت العبارة: "سيّب صالح".
لم تكن "سيّب صالح" صرخة اعتباطية.
لم تكن مزحة شارعية ولا مجرد تقليعة لغوية في فم الشعب. بل كانت حدثًا، لحظة من لحظات التمرّد الرمزي، انفجارًا صغيرًا في وجه الدولة لا بالمفرقعات بل بالمحبّة.
صاحبها:
رجل مختلّ العقل… أو هكذا صنّفه "العقل الرسمي".
اسمه كان "بابا صالح"،
يُعرف أيضًا بـ"عمي صالح".
عاش في ثلاثينات القرن العشرين داخل الأحياء الشعبية للعاصمة، حين كانت تونس تُدار بقفازات المستعمر وبأوامر الباي.
كان تائهاً، يتيماً، لا أهل له ولا مأوى،
يجوب الشوارع بثيابٍ مهترئة، يحمل وجهاً يحمل ألف قصة، يضحك تارة، ويصرخ تارة، يرقص في الأعراس، ويجلس في الزوايا كوليّ،
بل كـ"مجذوب المدينة".
لكن عمي صالح، رغم اختلاله الظاهري، لم يكن منبوذاً… بل محبوباً.
لقد تبنّته الذاكرة الجماعية،
فتبرّكت به.
لم يره الناس شحاذاً، بل مخلوقاً عجيباً،
بركة تمشي، مزيجاً من البراءة والقداسة، من الطيش والحكمة.
كان الطفل الذي لم يكبر، والشيخ الذي لا يشيخ، والضمير الذي لا يكذب.
في أحد أيام ثلاثينات العاصمة، ارتكب العسكر خطيئة ضد الذاكرة: اعتقلوا "صالح".
ربما أرادوه بعيداً عن الأنظار،
ربما اعتبروه مخلّاً بالنظام العام،
أو ربما كان قراراً غبياً في لحظة غباء سياسي مألوف.
لكن ما حدث بعد ذلك، لم تتوقّعه السلطة:
فقد خرج الناس… كما لو أن المدينة كلها اتفقت فجأة، بلا دعوة ولا منشور.
صرخوا أمام دار القاضي، رجالاً ونساءً، صغاراً وكهولاً:
"سيّب صالح!"
"فكّ على عمّك صالح!"
لم تكن مظاهرة سياسية، بل مظاهرة وجدانية.
لم يكن صالح زعيماً ولا قائداً، لكنه كان صورة المدينة حين تُجسّدها في جسدٍ واحد:
الهشاشة، العناد، الطيبة، والسخرية السوداء.
وهكذا خُلّدت العبارة…
لا في كتب القانون، بل في فم الشعب.
صارت تُقال كلما شعر الناس بالضيق، كأنها فتوى للخروج من الضيق، أو شيفرة سرّية لطلب النجدة من الزمن.
لقد تحوّلت "سيّب صالح" إلى شعار غير معلَن، إلى وثيقة غير مكتوبة،
إلى صرخة مازالت تتردد كلما داهمت السلطة ساحة من ساحات الحريّة.
صورة بابا صالح، تلك التي التقطها يهودي تونسي سنة 1935 ووضع تحتها العبارة: "Le Fou – Baba Salah"، ليست مجرّد بطاقة بريدية… إنها وثيقة، حافلة بالمعاني،
تقف شاهدة على التحوّلات الاجتماعية لمدينة كانت تختلط فيها الأديان والمذاهب والمهن والجنون، دون أن يفقد الشارع روحه.
لقد اختار الشعب أن يُقدّس مجنونه، لا وزرائه.
أن يثق في المشرّد، لا في الموظف.
أن يحمي البركة، لا البلاط.
عبارة اختزلت شعباً…
"سيّب صالح" هي أكثر من حكاية، هي مرآة لروح التونسي. ذلك الإنسان الذي قد لا يخرج في مظاهرة من أجل نفسه، لكنه يثور لأجل مجنون يحبّه.
هي التجلي الشعبي لفكرة:
"نحن لا نُقاس بمنطق الدولة، بل بمنطق الحنين".
هي اختصارٌ لجمهورية غير معلنة:
جمهورية الوجدان، التي يحكمها المجاذيب، وتحرسها الأمهات، ويؤرّخها الصمت.
هكذا تدخل عبارةٌ دارجة سجلّ التاريخ.
هكذا يتحوّل مجهول إلى رمز.
وهكذا تُعلن المدينة تمرّدها، لا بالخطب، بل بجملة خفيفة في فم صبيّ:
"سيّب صالح…"
عبارة وحيدة…
لكنها تحمل ألف كتاب
"سيّب_صالح"... قصة العبارة التي خرجت من رحم المدينة"
2025-11-20
523 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال