نحن أمة لا يُصلحها إلا الدين ولن نتعافى من أمراضنا المجتمعية المتعددة إلا بتطبيق الوصفة التي يقدمها لنا الإسلام.
اليوم أكثر من أي وقت مضى نحن أمام تحديات يمتد تأثيرها إلى وجودنا كأمة، تحديات تكاد تطمس هويتنا وتذهب بريحنا، اجتمعت علينا بشكل لم يشهد له تاريخنا مثيلا، فنحن مجتمع محاصر بالتنصير والإلحاد والعلمانية اللادينية والتشيع وطوفان المخدرات والمهلوسات والانحلال الخلقي وظاهرة الطلاق والخلع، ورغم إقرار الجميع بخطورة ما يواجهنا فإن محاولات العلاج ضعيفة باهتة سطحية لأن الحال لا تجدي معه الموائد المستديرة والأيام الدراسية والندوات الدورية بين أربعة جدران، فالداء متغلغل مستحكم، يزيد ولا ينقص، يمتد ولا يتقلص، والتعويل على الدوائر العلمانية لتقديم العلاج مجرد ضحك على الأذقان لأن هذه الدوائر هي سبب انتشار الظواهر القبيحة الوافدة التي تعصف بالمجتمع، فبقي الحلّ الديني، لكن الخطاب الديني الحالي في معاناة شديدة، فبدل أن يكون حلا أصبح هو في حد ذاته مشكلة، فهو محاصر، يردد كلاما لا يزعج العلمانية، يبدع في الحديث عن النظافة والتشجير والأخلاق "الإنسانية" ويتفادى إلى أبعد حدّ تناول حقائق الإسلام من تحكيم شرع الله إلى فرضية الحجاب وحكم تارك الصلاة، ويكفي – لإدراك تدني هذا الخطاب وسلبيته وعدم جدواه – متابعة برامج الفتاوي التي تأخذ حجما كبيرا في القنوات الرسمية وتردد على مدار السنة نفس الأسئلة ونفس الأجوبة عن مسائل الحيض والنفاس والوضوء وقضاء الصلاة والمنامات ونحوها، أي هو – بالجملة – خطاب يميت القلوب ولا يحييها، لذلك يتفق المسلمون على التبرم من الخطاب الديني الرسمي وأهله ولا يلتفتون إليه، فما الحل؟ أرى أن أبناء الصحوة – أكثر من غيرهم – قد تركوا الساحة الدينية للمتسربين من المدارس والدراويش والمغرضين، وغرق أكثر الإسلاميين في السياسة أو انسحبوا نهائيا من المشهد التربوي والدعوي، فتُرك المجال للعلمانية وأدواتها، فأين القدوات والنماذج الرفيعة لوعظ الناس ونصحهم والأخذ بأيديهم إلى سبل النجاة؟ إننا في زمن البحث عن الدعوة والدعاة، لذلك أقترح أن نحيي منهج الإمام ابن باديس ونعمد إلى العمل الشعبي فننظم قوافل دعوية تأخذ على عاتقها العمل على إصلاح ما أفسده الفكر الغربي الوافد وفق خطة إيمانية علمية مدروسة تنشط بآليات شرعية عصرية فاعلة، يتولاها علماء عاملون ودعاة مخلصون ومصلحون لديهم حرقة على الإسلام وقضايا الأمة وحال المجتمع، ينزلون إلى الناس في نواديهم وأماكن تواجدهم، يحببون إليهم الدين والأخلاق والأدب الرفيع، ويقبّحون لهم المعاصي والانحرافات واتّباع الغرب على غير بصيرة، يستمعون إليهم ويتفاعلون مع حديثهم، ويكلمونهم بخطاب جديد، بلغة العصر، يجيبون عن الأسئلة المحرجة بصراحة وبساطة، ويردون على الشبهات بعلم، ويفضحون الشهوات بالمنطق والخلفية الدينية، وكل هذا يحتاج إلى خطاب العارفين، يحركون به القلوب ويُقنعون العقول وينشطون الناس في طاعة الله تعالى...هذا هو المنهج الذي اتبعه الإمام الشهيد حسن البنا، فهو لم يكن ينشر دعوته في منابر المساجد بل يعرضها على الناس في المقاهي والأندية والتجمعات المختلفة، وذكروا أن الإمام ابن باديس كان يذهب حتى إلى الخمارات يُخرج منها العصاة ويجعلهم من رواد الجوامع، وقد ترك د.عبد الرحمن السميط حياة الرفاهية في الكويت وعاش في أدغال إفريقيا يدعو إلى الله فأسلمت على يديه قرى بأكملها، وكان الشيخ محمد إلياس الكندهلوي يغشى تجمعات الهندوس في الهند يدعوهم إلى الإسلام، كان يقبل أقدامهم ويردد "قولوا لا إله إلا الله تنجوا من النار"...وهل هذا سوى اتباع المنهج النبوي الكريم؟ ألم يكن عليه الصلاة والسلام يعرض نفسه على القبائل ويأتي الناس في رحالهم ويرحل إليهم – كما حدث مع ثقيف في الطائف - يعرف بالإسلام ويخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
إن هذه القوافل الدعوة فريضة شرعية وضرورة اجتماعية، عملها صعب بل عسير لكنه ليس مستحيلا، وتنظيمها حلّ متاح، وهو من غير شك أفضل من تسويق الأوهام بزعم أننا بخير، الشباب يحفظون القرآن، تشييد المساجد على قدم وساق، جامع الجزائر منارة كبيرة ونحو ذلك من الذرائع يكفي لدحضها النظر الى واقعنا البئيس وما عليه الشباب من وضع لا يختلف ألبتة عن حال من لا دين لهم في الغرب، فهي فتن كقطع الليل المظلم، فإذا أضفنا إليها التطرف الديني الذي يجتذب الشباب الطيبين اكتملت الصورة القاتمة...فمن يحيي الحديث الشريف "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"؟ ومن ينخرط في موكب النبوة "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا"؟
عبد العزيز كحيل
حاجتنا إلى قوافل دعوية
2025-11-18
609 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال