تونس دولة تقف فوق تلة من الذهب وتصرّ على التسوّل. تملك أكثر من خمسين جزيرة، لكنّها تفضّل النوم على أن تفتح أعينها على ثروة جاهزة. هذا ليس إهمالًا إداريًا، ولا سوء تقدير سياسي. هذا عطب عقلي ضرب الدولة منذ سبعين عامًا وجعلها تخاف البحر، وتخاف المغامرة، وتخاف حتى من مستقبلها.
ما الذي تفعله دولة تمتلك أرخبيلًا كاملًا؟
تونس اختارت أن تتجاهله. وكأن الجزر ليست لها… وكأن البحر ليس ملكها… وكأن المتوسط إقطاعية لدول أخرى.
عندما تسأل السياسي عن الجزر، يجيبك كما يجيب الموظف على سؤال لا يعنيه.
وعندما تسأل المستثمر، يقول لك: “لا أحد يريد أن يفتح الأبواب”.
وعندما تسأل الدولة… تكتشف أن الدولة لا تعرف أن عندها أبوابًا أصلًا.
الأمر أشبه بمالِك قصرٍ ضخم يفتح غرفة واحدة ويعيش فيها، بينما بقية الغرف مغلقة، مظلمة، تعفنها الرطوبة، وتسرح فيها العناكب.
تونس بلد يعيش داخل غرفة واحدة: العاصمة الساحلية وبعض المدن الكبرى.
أما الجزر، فتُعامَل كأنها مناطق خارج الخريطة.
جالطة: مغلقة.
زمبرة: مغلقة.
القورية: مغلقة.
الكنائس: منسية.
قرقنة: بعيدة عن عين الدولة.
جربة: تُدار بالعشوائية وكأنها مركز تجاري وليس جزيرة ذات هوية عالمية.
هذا ليس قدرًا… هذا إجرام في حق الجغرافيا.
كل خبير سياحي يعرف أن الجزر تصنع إيرادات أكثر من المدن.
كل خبير سينمائي يعرف أن الجزر هي المنجم الحقيقي للأفلام العالمية.
كل خبير في الجيوسياسة يعرف أن الجزر هي حدود المستقبل.
ومع ذلك، تونس تصرّ أن تتصرف كما لو أنها دولة بلا بحر.
لكن بما أن الكلام وحده لا يكفي، فإليكم الحلول التي يمكن أن تُحدث انقلابًا اقتصاديًا خلال أقل من خمس سنوات:
الحلّ الأول: فتح الجزر المغلقة فورًا
لا مستقبل للسياحة ولا للصناعة السينمائية ولا للاقتصاد الأزرق إذا بقيت الجزر “ممنوعة”.
زمبرة يجب فتحها جزئيًا مع إبقاء جزء منها محمية.
جالطة يجب فتحها تحت إشراف علمي.
القورية يجب تحويلها إلى قطب للسياحة البيئية.
الكنائس يجب إدراجها في كتالوغ المحميات المفتوحة للسياحة العلمية.
الإغلاق هو موت. الفتح هو بداية الحياة.
الحلّ الثاني: إنشاء “هيئة الجزر التونسية” مستقلة عن الوزارات
هيئة ذات صلاحيات كاملة مثل
Mauritius Tourism Authority
Seychelles Islands Foundation
Malta Film Commission
تُعطي التراخيص، تبرمج الاستثمارات، توقع مع الشركات العالمية، وتدير الجزر كدول مستقلة في القرار، لا كدوائر بلدية يتيمة.
الدولة فشلت سبعين عامًا. يجب سحب الملف منها الآن.
الحلّ الثالث: إطلاق برنامج “200 فِلم في 10
سنوات”
تونس يمكن أن تصبح عاصمة السينما المتوسطية.
لكن يجب أن يكون هناك برنامج رسمي لجلب الإنتاج العالمي، مع:
تخفيضات ضريبية/فتح الجزر للتصوير/ مرافئ صغيرة/دعم لوجستي/مسارات تصوير
يكفي تصوير أربعة أفلام ضخمة سنويًا في الجزر، وسيتغير اسم تونس على خرائط السينما العالمية.
الحلّ الرابع: تحويل قرقنة إلى “موناكو الفقراء”
قرقنة يمكن أن تكون نموذجًا عالميًا في:
الفنادق الصغيرة, المرافئ السياحية, رياضات البحر, مطاعم البحر المتوسط, الموسيقى, الفنون
تكلفة الاستثمار هناك منخفضة بشكل مضحك… والعائد قد يكون خرافيًا.
المشكلة الوحيدة هي أن الدولة لا ترى قرقنة ككنز، بل تراها “جزيرة عالقة”.
الحلّ الخامس: جعل جربة منطقة اقتصادية بحرية حرة
جربة ليست جزيرة… إنها قارة صغيرة.
لكنها تُدار بعقلية العشرية السبعينية:
فنادق كلاسيكية، سياحة موسمية، طرق ضيقة، اقتصاد محلي متآكل.
الحل:
إعفاؤها ضريبيًا لمدة 15 سنةفتح أبواب الاستثمار الأجنبي
تحويلها إلى منطقة حرة للثقافة والتكنولوجيا والسينما
تطوير مطار دولي بموازاة مطار جربة_جرجيس الحالي
إنشاء “مدينة تصوير” على طريقة دبي ستوديو سيتي
جربة يمكن أن تكون “هوليوود العرب”… لو خرجت من النوم.
الحلّ السادس: ربط الجزر بشبكة نقل بحري عالية الجودة
لا سياحة بلا نقل.ولا نقل بلا رؤية.
يجب إنشاء شبكة:
Catamarans / Ferries / Speed Boats/Seaplanes
تربط الجزر بالمدن الكبرى.
دول أصغر بكثير تقوم بهذا منذ عقود.
تونس لم تبدأ حتى في التخطيط.
الحلّ السابع: إطلاق حملة دولية… “Discover Tunisia Islands”
حملة في:/Netflix/National Geographic/BBC/Euronews/Travel Channels/مهرجانات السينما/معارض الاستثمار
لأول مرة يجب أن تقول تونس للعالم:
نحن دولة جزر… لا دولة شاطئ واحد.
المشكلة ليست في الجزر… بل في العقليات.
ليس في البحر… بل في الخوف.
ليس في الإمكانيات… بل في دولة اعتادت إدارة الفقر بدل صناعة الثروة.
لو أرادت تونس، يمكنها أن تصبح مالطا جديدة، وموريشيوس جديدة، وسيشل أخرى.
لكنها تفضّل أن تكون “دولة تتفرّج على نفسها وهي تتراجع”.
الجزر ليست مشكلة… بل الحلّ.
والبحر ليس خطرًا… بل طريق الخلاص.
تونس لا ينقصها شيء سوى أن تستيقظ.
وإن لم تستيقظ الآن… ستستيقظ يوماً لتكتشف أن الجزر صارت ثروة للغرباء، كما كان يحدث دائمًا في لحظات غفلة التاريخ.
ما الذي تفعله دولة تمتلك أرخبيلًا كاملًا؟
2025-11-16
589 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال