بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تاريخ الخوف المُقدّس

2025-11-13 792 قراءة مختلفات عماد عيساوي
منذ أن رفع البحر رأسه نحو الساحل الإفريقي وابتسمت الشمس على قرطاج، كانت هذه الأرض مسرحًا للسلطة والخوف، للأنبياء والجلادين.
لم تكن تونس مجرد جغرافيا صغيرة، بل مختبرًا لتجارب الحكم، وساحةً لامتحان الإنسان في أقصى درجات الصبر والدهشة.
كلّ من مرّ بها، من الأغالبة إلى الحسينيين، حمل سيفًا وبنى زنزانة.
حتى صارت الزنازين هي الذاكرة الوحيدة التي لم تُحرّف.

حين دخل عبيد الله المهدي القيروان في القرن العاشر، دخلها كمن يدخل التاريخ بالسيف والآية.
قال للناس: أنا من نسل النور، فأنكروه.
فحوّل نورَه نارًا، وأقام السجون للعقول قبل الأجساد.

كان أول من حوّل العقيدة إلى حائطٍ من حجر.
في عهده أصبح السؤال جريمة، والاختلاف كفرًا.
سُمّيت تلك المرحلة بـ«المحنة الكبرى»، حيث يُسجن الرجل لأنه صلّى لله بطريقة لم تُعجب الإمام.
لم يكن يريد دولة، بل إيمانًا مطيعًا، وإفريقية كانت أول ضحية لسلطة الروح حين تتحوّل إلى شرطة.

في القيروان وتونس والمهدية، كانت القصور تتكاثر، لكن الخوف كان أسرع.
المستنصر الحفصي، سلطانٌ بنى العدل على الورق وبنى السجون في الواقع.
سجن إخوته وأبناءه وأمراءه.
صار البيت الحاكم قبيلة من الشكوك، والعرش قفصًا مذهّبًا.

لقد أوجد الحفصيون أول شكلٍ من السجن العائلي في تاريخ الحكم الإسلامي.
ومنذها صار القصر والزنزانة وجهين لعملة واحدة:
من دخل أحدهما، كان ينتظر دوره في الآخر.

حين وصل الأتراك إلى تونس، لم يجدوا شعبًا، بل إرثًا من الخوف.
فأضافوا إليه فنًّا جديدًا من القهر العسكري.
في برج القصبة وبرج العامري، كانت أصوات المعذبين تذوب في ليل العاصمة.
الدايات كانوا رجال بحرٍ لا يعرفون الرحمة على اليابسة.
كانوا يرون في الناس رعايا لا شركاء،
وفي تونس قاعدة لا وطنًا.
منهم من شنق الولاة في النهار وصلّى في الليل،
ومنهم من دفن خصومه في الجير الحيّ قبل أن يوقّع فرمان النصر.
لقد علّمونا أن الدولة يمكن أن تعيش بلا حبّ، ولكن لا تعيش بلا خوف.

حين جاء محمد الصادق باي إلى الحكم، كان يلبس آخر قفطان من ذهب في بلدٍ جائع.
في عهده، انفجرت ثورة علي بن غذاهم آخر صرخة من القبائل ضدّ دولةٍ لم ترَ فيهم إلاّ ضرائب تمشي على قدمين.
فأرسل الجيش، والجلادين، والقناصل الأجانب.
ثم فتح أبواب الجحيم.
قُتل الآلاف وسُجن عشرات الألوف في برج الرومي والقصبة وحلق الوادي.
كان السجن آنذاك ليس عقابًا بل تربية وطنية: أن تتعلّم الصمت كي تبقى حيًّا.
حين انتهت الثورة، بقيت الزنازين، وبقيت الدولة، لكنّها أصبحت فارغة من روحها.
وفي عام 1881، حين وقّع الصادق باي معاهدة باردو، لم يكن يسلّم تونس لفرنسا فقط،
بل يسلّمها من سجنٍ داخلي إلى سجنٍ خارجي أكبر.

في كلّ مرة كانت تونس تُسجن، كانت في الحقيقة تُختمر.
كان السجن رحمًا يولد منه الوعي، كما يولد الضوء من عمق الفحم.
من تلك الزنازين خرجت الفكرة،
ومن بين الجدران الرطبة خرجت الكلمات الأولى التي قالت: “كفى”.
لقد فهم التونسي متأخرًا أنّ الحرية لا تُمنح،
بل تُنتزع من يد الجلادّ وهو مازال ممسكًا بالسوط.
ومنذ عبيد الله المهدي إلى آخر باي، ظلّ الحكم في تونس يستمدّ قوّته من الخوف،
حتى حين تغيّر الزيّ والعصر والعلم.
لكنّ هذه البلاد الصغيرة تملك خاصيّة غريبة:
كلّ من يسجنها، يذوب فيها.
كلّ من يكممها، تتنفّسه هي في صمتٍ طويل.
وكلّ من يخاف من شعبها، ينتهي محاصرًا بنفسه.

تونس لم تُبنَ بالحجارة، بل بالذاكرة.
ذاكرة السجون، والمنافي، والمنابر المحروقة.
منها خرجت كل ثورة، وكل حلم.
لأنّها بلد يعرف معنى القيد، فيعرف ثمن الحرية.
من عبيد الله المهدي إلى محمد الصادق باي،
من القصبة إلى برج الرومي،
من زنزانة الصمت إلى ميدان الثورة...
ظلّت تونس تكتب تاريخها بالحبر والدم،
وتوقّع على جدرانها شهادة ميلادها الأبدية:
“أنا بلد لا يُحبّ العبودية.”

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال