بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جورج عدّة

2025-11-13 774 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في ذاكرة الأمم، هناك من تصنعهم السلطة، وهناك من تصنعهم المواقف.
جورج عدّة واحد من أولئك الذين لم يصنعهم أحد، بل صنعوا أنفسهم بأن يكونوا ضدّ الجميع حين وجب أن يقولوا الحقيقة.
رجلٌ من أقلية دينية في وطنٍ عربيٍّ مسلم، لكنّه عاش أوسع من كلّ الهويات الضيقة.
لم يكن يهوديًا فحسب،
بل تونسيًا حتى النخاع،
وإنسانيًا في المقام الأول
. لم يتقن شعائر السبت كما يتقن شعائر العدالة، ولم يقرأ التوراة كما قرأ وجع العمّال والفقراء في زمنٍ كانت فيه الكرامة أندر من الخبز.

وُلد جورج عدّة سنة 1916 في تونس العاصمة، في زمنٍ كانت البلاد تحت نعل المستعمر الفرنسي.
نشأ في مجتمع متعدّد الطوائف والأعراق، حيث كانت الجاليات تتجاور على مضض وتتصارع على الهويّة أكثر مما تتقاسم الخبز.
لكنّه منذ شبابه اختار أن يكون خارج التصنيفات، وأن يجعل من الانتماء فعلًا أخلاقيًا لا وراثةً بيولوجية.
لم يكن مؤمنًا بالمعبد ولا بالكنيسة ولا بالزاوية، بل بالإنسان. لذلك كان من أوائل الذين انخرطوا في الحزب الشيوعي التونسي، لا بدافع الأيديولوجيا، بل بدافع الحسّ الإنساني الذي يرى العدالة الاجتماعية دينًا أسمى من كلّ الأديان.
في زمنٍ كان الاستعمار الفرنسي يَحكم بالسوط ويُغري بالكراهية، رفع جورج عدّة صوته عاليًا دفاعًا عن العمّال، عن الفقراء، عن الذين لم تكن لهم أسماء في دفاتر الدولة.
انخرط في الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب فرحات حشاد، وكان من القلائل الذين فهموا أن الحرية السياسية بلا عدالة اجتماعية ليست سوى استعمارٍ بأدواتٍ محلية.
رفض الانحناء لأيّ سلطة، وظلّ يؤمن بأن الوطن يُبنى من العرق لا من الشعارات.

وحين قامت دولة إسرائيل سنة 1948، انقلب العالم اليهودي رأسًا على عقب. في الوقت الذي سارع فيه آلاف اليهود من شمال إفريقيا إلى الهجرة نحو "أرض الميعاد"، كان جورج عدّة يعلن رفضه العلني لما سمّاه "الجريمة السياسية باسم الوعد الإلهي".
كتب وقال دون مواربة: «فلسطين ليست وعدًا إلهيًا بل خطيئة سياسية». بهذا الموقف، أصبح عدّة استثناءً في التاريخ العربي اليهودي الحديث.
لم يركع للهيكل، ولم يُبايع الصهيونية، ولم يُساوم على ضميره. بقي في تونس، وأصرّ أن يكون يهوديًا عربيًا يرى في فلسطين قضيته الأخلاقية والإنسانية.
كان ذلك الرفض العلني لإسرائيل تحديًا مزدوجًا. فقد جعله مرفوضًا من الصهاينة الذين رأوا فيه خائنًا "لشعبه"، ومشبوهًا في نظر القوميين العرب الذين لم يتصوّروا أن يهوديًا يمكن أن يكون وطنيًا بحق.
لكنه ظلّ وفيًّا لفكرته عن الإنسان، وكتب ذات مرة: «أنا يهودي لأنني وُلدت هكذا، لكنني تونسي لأنني اخترت أن أكون هكذا».
كانت تلك الجملة اختصارًا لمسيرته كلّها، ومسار فكرٍ نادرٍ في العالم العربي حيث تتنازع الأديان والأيديولوجيات ولا تلتقي على فكرة المواطنة.

لم يبدّل جورج عدّة موقفه بعد الاستقلال. لم يُصفّق للزعيم، ولم يتسابق إلى قصور الحكم كما فعل كثير من رفاقه. حذّر من الحزب الواحد والرئيس الواحد والضمير الواحد، وقال مبكرًا إن الاستقلال الذي لا يُحرّر العقول ليس استقلالًا بل انتقالٌ للسلطة من يدٍ إلى يد.
عاش في تونس المستقلة كما عاش في تونس المستعمَرة: مراقَبًا، ملاحقًا بالصمت، مقصيًا من الإعلام، غائبًا عن كتب التاريخ. لم يُنفَ جسده، لكن نُفي صوته.
لقد مثّل جورج عدّة، من حيث لا يدري، تهديدًا عميقًا لإسرائيل أكثر من آلاف الخطب العربية. لأن وجود يهودي عربيٍّ رافضٍ للصهيونية كان كفيلًا بنقض الأسطورة الصهيونية من أساسها.
إسرائيل التي تزعم أنها وطن كلّ اليهود لم تحتمل فكرة أن يهوديًا يختار وطنًا عربيًا ويهتف لفلسطين.
كانت حالته تحدّيًا فلسفيًا وسياسيًا لرواية كاملة بُنيت على الخوف والتهجير والتاريخ المقدّس.

توفي جورج عدّة سنة 2008 بصمتٍ يليق بالشرفاء الذين لا يحتاجون إلى تصفيق بعد موتهم. لم تُخصّص له القنوات برامج تأبينية، ولم تُرفع له صور في ساحات المدينة.
مرّت جنازته كما تمرّ الحقائق في زمن النفاق: بصمتٍ وحياء. لكنّ التاريخ الحقيقي لا يُكتب في نشرات الأخبار بل في ذاكرة الضمائر، وهناك بالضبط يعيش جورج عدّة حتى اليوم.

إنّ قصته ليست سيرة مناضلٍ فحسب، بل مرآة لفكرة المواطنة التي سقطت ضحية الأيديولوجيا والدين والسياسة.
كان يمكن أن يُصبح رمزًا لتعايشٍ عربيٍّ يهوديٍّ نادر، لكنّ ذاكرة تونس الرسمية مثل كثير من ذاكرات العرب لا تحتمل الرموز التي تكسر القوالب. وهكذا ظلّ الرجل في الظلّ، بينما صعد إلى الضوء كثيرون ممن باعوا الحقيقة ليشتروا المجد الرخيص.
إنّ إعادة قراءة حياة جورج عدّة اليوم ليست مجرد استذكارٍ لرجل منسيّ، بل مراجعة فكرية شاملة لمسألة الهوية والانتماء في العالم العربي.
هل يمكن أن يكون اليهودي عربيًا؟
هل يمكن أن يكون الماركسي وطنيًا؟
وهل يمكن أن يكون المناضل خارج سلطة الحزب والدولة والمعبد؟
لقد أجاب عدّة عن كلّ ذلك بحياته قبل أن يجيب بقلمه.

لقد كان تونسيًا بدون مساومة،
يهوديًا بدون خيانة،
شيوعيًا بدون دماء،
وفلسطيني الهوى دون جواز عبور
. هكذا اختار أن يعيش وهكذا مات، مثالًا للمثقف النزيه الذي لم يُغيّره الصراخ ولا الإغراء ولا السلطة.
كان ضدّ الصهيونية لا حبًّا في القومية، وضدّ الديكتاتورية لا ولاءً للديمقراطية، بل لأنه فهم أن الحرية لا تتجزأ، وأن الكرامة لا تُؤخذ بالوكالة من أيّ إلهٍ أو زعيم.
وفي النهاية، حين يُفتح كتاب تونس الحقيقي، سيبقى اسم جورج عدّة صفحة صافية لا تشوبها المناورات ولا التحريف. فهو اليهودي الذي هتف لفلسطين، والتونسي الذي لم يركع للرئيس، والإنسان الذي عاش ومات في خدمة الفكرة لا المعبد.
وللتاريخ لا للنسيان جورج عدّة هو جدّ الإعلامي التونسي مراد الزغيدي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال