بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين صار الفقه سياسة

2025-11-11 663 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في التاريخ العربي، ثمّة لحظات لا تكون فيها العقيدة مسألة إيمان فقط، بل تصبح ساحةً لتجريب السلطة. وتونس كانت واحدة من تلك اللحظات الممتدة.
لم تدخل الإسلام مثلما يدخل الناس في دينٍ جديد، بل دخلته كأنها تفتحه من الداخل. لم يكن الإسلام في إفريقية دينَ غزاةٍ بقدر ما كان دينَ حوارٍ بين الصحراء والبحر، بين القبيلة والمدنية، بين النص والعُرف. من تلك الجدلية، وُلد المزاج التونسي: عقلاني، رزين، لا يميل إلى الغلوّ، يوازن بين الدين والدولة كما يوازن الفلاح بين المطر والشمس.

حين نزل الفاتحون العرب إلى القيروان، لم يكونوا يعلمون أنهم يؤسّسون لأرضٍ ستُعيد ترتيب الدين وفق طبيعتها الخاصة. كان الناس هنا أبناء حضارات قديمة، من قرطاج إلى الرومان إلى الوندال. كل تلك الحضارات تركت فيهم أثرَ الشكّ والعقل والحذر من الآلهة. وحين جاء الإسلام، لم يُسلّموا له عقولهم دفعة واحدة، بل راحوا يجرّبونه كما يُجرّب النبيذ الجديد: رشفةً رشفةً، وتأملًا بعد تأمل.
في تلك البدايات، تساقطت المذاهب على أرض تونس كما تتساقط الأوراق في الخريف. كان الخوارج أوّل من حلموا بأن يكون الدين مساواةً مطلقة. رفعوا شعار «لا حكم إلا لله»، لكنهم اصطدموا بسؤالٍ لم يجدوا له جوابًا: من يفسّر حكم الله؟ من يملك الحقّ في التحدّث باسمه؟
ثم جاء الإباضيون، أكثر هدوءًا وأقلّ دمًا. كانوا يبحثون عن العدالة في زمنٍ ينهش فيه السيف رقاب العدل. وحين انهارت دولتهم الرستمية في تاهرت، حملوا كتبهم وأحلامهم وهربوا إلى جزيرةٍ صغيرة تُدعى جربة. هناك، في أقصى الجنوب، أقاموا مملكتهم البيضاء من الصمت والصلوات، وبنوا إسلامهم الصغير المنعزل عن الدولة والفتن.

جربة لم تكن منفىً فحسب، بل كانت ذاكرة مقاومة ضد فكرة أن يكون الإيمان تابعًا للسلطان. الإباضيون لم يكرهوا السنة ولا الشيعة، بل كرهوا فكرة الوساطة بين الإنسان وربّه. لذلك عاشوا قرونًا في عزلة، يحيون دينهم كما يُحيي الرهبان صلواتهم.
تونس احترمتهم من بعيد، كما تحترم المختلف الذي لا يُهدّد أحدًا. وظلّت الجزيرة، إلى اليوم، أرشيفًا حيًّا لمذهبٍ نجا من النسيان لا بالقوة، بل بالعزلة.
لكن تونس في جوهرها لم تكن جزيرة. كانت تبحث عن فقهٍ ينظّم الاجتماع، لا يعزله. وهنا صعد نجم المالكية. لم يأتِ المذهب المالكي إلى تونس غازيًا، بل جاء كفكرة ناضجة.
في فقه مالك بن أنس، وجد التونسيون ما يشبههم: احترام العرف، قبول العقل، والابتعاد عن الغلوّ في النصوص.
كان فقه المدينة أقرب إلى فقه المدن الساحلية: يترك مساحاتٍ واسعة للناس ليعيشوا.
ومنذ أن تبنّته القيروان، بدأ المالكية يتحوّل من مذهبٍ فقهي إلى عقل دولة.
الحكام الذين مرّوا على تونس من الأغالبة إلى الحفصيين اكتشفوا في المالكية أفضل ضمان للاستقرار. فهو لا يثور، ولا يُكفّر، ولا يدعو إلى العصيان.
وهكذا صار الفقه حارس الدولة، وصارت الدولة راعية الفقه.
ومن رحم هذا الزواج بين النصّ والسلطة، وُلد مفهوم تونسي خاصّ للدين: دينٌ يحمي الجماعة أكثر مما يقدّس الفرد، دينٌ يجعل من العقل أداة إيمان، لا سلاح تمرد.
في هذا السياق، جاءت لحظة الفاطميين لتختبر صلابة هذا النسيج.
حين نزل الشيعة الإسماعيلية إلى المهدية، جاءوا بمشروع أكبر من البلاد: دولة للمهدي المنتظر، ومذهبٌ يرى في الإمام ظلّ الله على الأرض.
لكن تونس، بطبعها، لا تحبّ الظلال الثقيلة. الناس هنا يحبّون الله، لكنهم لا يحبّون من يتحدث باسمه.
ولذلك لم تنجح الدعوة الفاطمية في اختراق الروح التونسية.
بَنَوا مدينةً فخمة على البحر، أنيقة كأحلام الملوك، لكنها كانت بلا جذور. كانوا يتحدثون عن الغيب، والناس في الأسواق يتحدثون عن الزيتون والقمح.
شيئًا فشيئًا، بدأت الدعوة تفقد بريقها، وبدأ الناس يرون في المهدية دولةً غريبة بوجهٍ عربيّ وروحٍ فارسية.
وحين قرر الفاطميون الرحيل إلى مصر، لم يأسف أحد. تركوا وراءهم آثارهم المعمارية، لكنهم لم يتركوا أثرًا في الروح. كانت تلك هزيمة الميتافيزيقا أمام الواقعية، وهزيمة الكهنوت أمام فقه الجماعة.
منذ ذلك الحين، تكرّس المذهب المالكي في تونس لا كمذهب ديني فقط، بل كنظام أخلاقي للدولة والمجتمع.
لكنّ كل منظومة حين تطول سلطتها، تبدأ بالتحجّر.
المالكية التي كانت في البداية فقهًا للعقل والمرونة، تحوّلت مع القرون إلى بيروقراطية روحية تدافع عن نفسها أكثر مما تدافع عن الناس.
صار الفقيه موظفًا في خدمة الحاكم، وصارت الفتوى أداةً لتبرير القرار السياسي.
ومع ذلك، ظلّ في العمق شيء مقاوم: عقل تونسي صامت لا يثق إلا بنفسه، يطيع في العلن ويجادل في السرّ، يقدّس القانون أكثر من القداسة ذاتها.
في قلب العاصمة، كان المسجد الأعظم جامع الزيتونة يصوغ تلك الثنائية الغريبة بين الخضوع والتمرّد.
منذ القرن الثامن، تحوّل الزيتونة من مسجد إلى جامعة. لم يكن يخرّج فقط علماء الدين، بل يخرّج رجال دولة، قضاة، ومفكرين.
لقد فهم التونسيون باكرًا أن العلم هو الوجه المدني للإيمان، وأن من يملك الكلمة يملك السلطة.
وهكذا صار الزيتونة برلمانًا غير معلن للأمة: تُناقش فيه القضايا، وتُصاغ فيه الفتاوى، ويُرسم منه المزاج العام للدين والسياسة.
وفي زمن الاستعمار الفرنسي، لعب الزيتونة دورًا مزدوجًا: من جهة حارسًا للهوية الإسلامية، ومن جهة أخرى مختبرًا للأفكار الوطنية.
في قاعاته تلاقى الدين مع السياسة، وفي لياليه وُلدت فكرة التحرّر من الفرنسيين على أيدي طلبةٍ يدرسون النحو والفقه، لكنهم يحلمون بالحرية.

حين جاء الاستقلال، حاول بورقيبة أن ينتزع من الزيتونة سلطته الرمزية. أراد أن يجعل الدين شأناً خاصًا، وأن يؤسس جمهورية حديثة بلا عمائم.
لكن الزيتونة لم تمت. انكمشت قليلًا، تحوّلت إلى مؤسسة رسمية، لكن روحها بقيت تهيم في الشوارع القديمة للعاصمة.
وحين جاء زمن بن علي، جرى تدجين الفقه تمامًا، فصار الدين خطابًا إداريًا بلا حرارة.
ومع ثورة 2011، عاد السؤال من جديد: من يملك الحديث باسم الله؟
الإسلاميون حاولوا أن يملؤوا الفراغ، لكنهم نسوا أن تونس لا تقبل الازدواجية.
فهي تؤمن أن الدين يجب أن يُنير السياسة، لا أن يحكمها.
وبعد عقدٍ من الصراع، عاد المزاج التونسي إلى ما كان عليه: إيمانٌ بلا كهنوت، ودولةٌ بلا قداسة.
في هذا كله، يمكن القول إن تونس لم تعرف “صراع المذاهب” بقدر ما عرفت صراع العقول.
فهي لم تحارب الشيعة لأنهم شيعة، ولا الإباضية لأنهم مختلفون، بل لأنها ترفض أي فكرٍ يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
تونس تؤمن بالحقيقة كمسار، لا كوصاية.
ولهذا ظلت عبر القرون أرض الاعتدال والجدل، لا أرض المعارك الدينية.
لم تكن يومًا بلدًا للتصوف المتطرف ولا للعنف الفقهي، بل مختبرًا للإسلام المدني الذي يوازن بين الإيمان والعقل، بين النص والحياة.

هذه الخصوصية ليست صدفة، بل نتاج تفاعلٍ طويل بين الجغرافيا والتاريخ.
فالتونسي يعيش على أرضٍ ضيّقة، لكنها مفتوحة على البحر. البحر يعلّمه الانفتاح، والضيق يعلّمه الحذر.
ومن هذا التناقض وُلدت شخصيته: مرنة ومنظمة، نقدية ومتسامحة، تميل إلى الإصلاح لا الثورة، إلى التفاوض لا الصدام.
وهكذا تشكّل الدين فيها كمرآة للسياسة: لا إفراط ولا تفريط، لا سيف ولا دعوة سرية.
ومن ينظر إلى تاريخها من الفتح إلى اليوم، يدرك أن كل مرحلة كانت تجربة لترويض المقدس بالعقل.
من القيروان إلى المهدية إلى تونس العاصمة، كان الوعي التونسي يصنع مذهبًا جديدًا كلما حاولت السلطة فرض مذهبها.
ولعلّ سرّ هذا الشعب أنه لا يثور بالسيف بل بالفكرة، ولا يُصلي للحاكم بل للزمن.

اليوم، بعد قرون من الجدل، يبدو المشهد كما لو أن التاريخ عاد إلى نقطة البداية.
العالم العربي يشتعل بالمذاهب، وتونس ما زالت تمشي على الحبل بين الإيمان والسياسة.
لكنها تمشي بثبات.
فقد فهمت منذ زمن أن الدين إذا لم يُروّض بالعقل، صار خطرًا على نفسه، وأن الدولة إذا لم تفهم روح الدين، صارت بلا روح.
تونس لا تزال تحرس هذا التوازن: بين المسجد والجامعة، بين الفقيه والمفكر، بين الزيتونة والدولة.
ولذلك بقيت رغم العواصف أكثر بلاد العرب عقلًا واتزانًا.
ربما لم تكن تونس أغنى البلدان ولا أقواها، لكنها الأكثر حكمة.
إنها البلاد التي حولت الدين إلى ثقافة، والمذهب إلى منطق، والفقه إلى نظام حياة.
فيها لا يُقدَّس أحد، لكن يُحترم كل شيء.
فيها لم ينتصر مذهبٌ على آخر، بل انتصر العقل على المذهب.
وحين صار الفقه سياسة، قاومته بالفقه.
وحين صارت الدولة مذهبًا، اخترعت مذهب الدولة العاقلة.

تونس هي تلك المفارقة التي لا تنتهي: بلدٌ صغير يفكر كأنه إمبراطورية.
تؤمن بالله، لكنها لا تؤمن بالوصاية.
تحترم الفقهاء، لكنها لا تركع لهم.
ومن لا يفهم هذه المفارقة، لن يفهم لماذا ظلّت تونس عبر كل القرون بلاد العقل المالكي والروح الحرة، ولا لماذا سيبقى الزيتون فيها أخضر، حتى حين يجفّ التاريخ من المعنى.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال