بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الشرعية السياسية:قراءة في تحولات الاتصال السياسي العربي

2025-11-07 530 قراءة مقالات بحوث حنان الحيدري
1
يشهد العالم العربي تحولات جوهرية في بنية الاتصال السياسي، تحولات لا يمكن اختزالها في صعود شبكات التواصل الاجتماعي أو انتشار المحتوى الرقمي فحسب، بل في إعادة تعريف السلطة ذاتها: من يملك المعنى؟ ومن يحدد الحقيقة؟ ومن يملك حق مخاطبة الناس وتفسير الواقع لهم؟

إن الفضاء العمومي الرقمي لم يوسع دائرة النقاش فحسب، بل غيّر قواعد اللعبة السياسية، وفتح الباب أمام فاعلين جدد يتقاسمون مع السياسي والمؤسسة الإعلامية سلطة التأثير وصناعة الرأي العام. وهكذا، انتقلت السياسة من مؤسسة مغلقة إلى ساحة مفتوحة تتداخل فيها سلطة الدولة مع سلطة الجمهور ومع سلطة الخوارزميات.

أولًا: الفضاء العمومي الجديد ونهاية الاحتكار الاتصالي

لطالما اعتمدت النظم السياسية العربية على نمط اتصال أحادي الاتجاه: الدولة تصدر الخطاب والمجتمع يتلقّاه.
هذا النموذج بدأ يتآكل منذ اللحظة التي أصبح فيها المواطن منتجًا للمعلومة والرمز والخطاب، لا مستهلكًا له فقط.

تفسّر نظرية “مجتمع الشبكات” لمانويل كاستيلز هذا التحول باعتباره انتقالًا من السلطة الهرمية إلى السلطة الشبكية، حيث النفوذ لم يعد مرتبطًا بالموقع داخل الدولة، بل بالموقع داخل الشبكة.

بمعنى آخر:
لم يعد السياسي وحده من يصوغ الرواية، بل يشاركه ذلك المؤثر الرقمي، والهاشتاغ، ومقاطع الفيديو القصيرة، وذاكرة السخرية الجماعية المنتشرة على المنصّات.

ثانيًا: ديناميكيات المعنى السياسي في المنصات الرقمية

يتمثل التحول الأبرز في أن الخطاب السياسي لم يعد يشتغل بلغة رسمية متعالية أو تقنية، بل أصبح مطالبًا بالاقتراب من لغة الناس اليومية، وبالظهور في لحظة الحدث، لا بعده.

يمكن تلخيص هذا التحول في ثلاث حركات أساسية:

صعود مطلب الشفافية:
لم يعد الجمهور يقبل “القرار الجاهز”، بل يطالب بفهم خلفياته وأدلته ودوافعه.
الشرعية اليوم لا تبنى على الإعلان، بل على التفسير.

تراجع اللغة المؤسساتية لصالح لغة الحياة اليومية:
كلما اقترب السياسي من اللغة العادية، كلما ازداد حضوره الرمزي.
وكلما تمسّك بنبرة رسمية مغلقة، ازداد ابتعاده عن الشارع.

تشكل علاقة "حميمية رقمية" بين السياسي والجمهور:
البث المباشر، التدوينات، الصور الشخصية، لحظات الحياة اليومية، كلها أدوات لإنتاج علاقة وجدانية تتجاوز العلاقة القانونية بين الممثل والمواطن.

هذا ما رأيناه مثلًا في تونس مع صعود شخصيات سياسية لم يكن لها حضور حزبي قوي، لكنها امتلكت حضورًا رقميًا قويًا.

ثالثًا: الفضاء الرقمي بين المشاركة والتضليل

رغم ما يتيحه الفضاء الرقمي من انفتاح، فإنه يحمل تناقضات حادة:

قد يوسع دائرة المشاركة، لكنه قد يعمّق أيضًا الاستقطاب.

قد يتيح مساءلة السلطة، لكنه يسمح كذلك بانتشار الشائعات.

قد يكشف الفساد، لكن يمكن أن يُستعمل لتدمير الخصوم رمزيًا دون أدلة.

ذلك أن المعنى السياسي في المنصة لا يتحدد فقط بما يقوله الناس، بل أيضًا بما تسمح الخوارزميات برفعه أو حجبه.
إن اقتصاد الانتباه لا يكافئ الخطاب العقلاني، بل يكافئ الخطاب المثير، المتوتر، السريع.

وهكذا، يتحول الاتصال السياسي من مجال إدارة المعلومات إلى مجال إدارة الانفعالات.

رابعًا: إعادة تشكيل الشرعية

أكبر أثر لهذه التحولات يتجلى في الشرعية السياسية.
فهي لم تعد تُمنح وفق منصب أو تاريخ أو رأس مال حزبي أو إداري، بل وفق القدرة على:

الظهور المقنع

التفسير الشفاف

الإنصات للناس

إدارة الأزمات خطابيا قبل إدارتها إداريًا

السياسي الذي يفشل في التواصل يخسر شرعيته حتى قبل أن يخسر مشروعه.
لقد غيّر الفضاء الرقمي معنى السياسة ذاتها.
لم تعد السياسة ما تقوم به الدولة داخل مؤسساتها، بل ما يتفاعل حوله المجتمع داخل فضائه الرقمي المفتوح.

إن مستقبل الاتصال السياسي العربي لن يُبنى على التحكم في الرسالة، بل على تفاوض مستمر حول المعنى بين السلطة والمجتمع.
والسياسي الذي يفهم ذلك، ويجيد الإصغاء بقدر ما يتكلم، سيكون الأقدر على بناء شرعية مستدامة في زمن تتقلب فيه السرديات بسرعة الضوء.

التعليقات والردود

1
هاجر
2025-11-07
مقال مهم ورائع شكرا جزيلا

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال