بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تاريخ الخرائط في تونس: من جغرافيا القبيلة إلى جغرافيا السلطة

2025-11-06 818 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في بلادٍ تُخفي ماضيها كما تُخفي الأم عار ابنها، لا يمكن فهم الحاضر من دون العودة إلى الجغرافيا الأولى: جغرافيا الدم.
فكل ولاية في تونس اليوم ليست نتاج تخطيط عمراني ولا رؤية وطنية، بل بقايا تقسيم قبلي، ونتيجة صراع بين الشيخ والقايد، بين السيف والقلم، بين القبيلة والدولة.
منذ أن كانت تونس تُعرف بـ"إفريقية"، كانت السلطة تتبدّل والقبائل تبقى.
كل سلطانٍ حكمها حاول أن يدفن القبيلة، لكنها كانت تُبعث من الرمل في هيئة جديدة: مرة باسم العرش، ومرة باسم الحزب، ومرة باسم الجهة.

العهد الحفصي: دولة القبائل لا دولة السلطان

في زمن الحفصيين، لم تكن تونس دولة، بل رقعة من الرمال تُسيّرها تحالفات.
السلطان كان يحكم من العاصمة، لكن نفوذه لا يتجاوز الأسوار. خارجها، كانت الأرض للهوّارة، والتوجين، وبني سليم، وبني هلال، وغيرهم من القبائل التي كانت تدفع الزكاة مقابل “الهدوء”.
كان الوالي يُعيّن بمرسومٍ في القصبة، لكنه يحتاج إلى مباركة شيخ القبيلة ليحكم فعلاً.
كانت الدولة تشتري ولاء القبائل بالهدايا، وتدفعها لتقاتل بعضها البعض حين تشتد الحاجة.
الحفصيون جلبوا العرب الهلاليين ليكسروا شوكة البربر، لكنهم لم يدركوا أنهم أدخلوا إلى تونس قنبلة زمنية اسمها “القبيلة المقاتلة”.
ومنذ ذلك اليوم، صار التاريخ التونسي يدور بين عربٍ جاؤوا من الشرق، وبربرٍ خرجوا من الجبال، وسلاطينٍ لا يملكون سوى شرعية الورق.

العهد الحسيني: الدولة كقبيلة كبرى

عندما تولّى حسين بن علي الحكم سنة 1705، كانت البلاد تغلي بالقبائل.
أدرك الباي أن الحديد وحده لا يحكم. فحوّل الدولة إلى قبيلة كبرى، وجعل من البايات شيوخًا ومن القواد أمراء.
المحلّة الحسينية لم تكن جيشًا، بل كانت وسيلة تأديب للقبائل. تدخل القرية، تُحصي النعاج، تُحصّل الجباية، وتترك وراءها رمادًا ورهائن.

القبائل العربية القديمة مثل دريد، المثاليث، أولاد سعيد، الجلاص، الكعوب، وأولاد عون كانت عصب الدولة.
لكن الباي لم يسمح لأي قبيلة أن تكبر أكثر من اللازم. كان يدعم واحدة ويهدم أخرى.
كانت الدولة في شكلها الحديث “فرّق تسد” لكن بروح تونسية.
القبيلة كانت تُستعمل كسلاحٍ سياسي، تمامًا كما تُستعمل اليوم “الجهة” في التعيينات والانتخابات.

الفرنسيون: حين صار القائد شرطيًا والشيخ عميلاً

جاء الفرنسيون فوجدوا دولة قبلية بلباس عثماني. لم يهدموها، بل نظّموها.
قسموا البلاد إلى “قُوادات” و“شياخات”، على رأس كل منها قايد يرفع العلم التونسي ويقبض الراتب الفرنسي.
الفرنسي لم يكن بحاجة إلى محاربة القبائل، بل إلى شراء شيوخها.
حوّل الزعامات المحلية إلى أداة حكم، وأدخل الإدارة إلى الخيمة.

كان لكل قبيلة حدود، ولكل حدود جاسوس، ولكل قايد ملف.
وهكذا أصبحت تونس كلها “إدارة مراقبة”، حيث يراقب القائد القبيلة، ويراقب الفرنسي القائد.
بهذه الطريقة ألغى الاستعمار الدولة التقليدية دون طلقة واحدة، وأبقى الشعب أسيرًا في قفصه الطبيعي.

ثم جاء بورقيبة بثورة على الماضي، لا على الحاضر.
ألغى القُوّاد والمشايخ، وأنشأ الولاة والمعتمدين.
لكن ما لم يُعلن عنه هو أنه ورث خريطة فرنسا نفسها، فقط غيّر أسماءها.
من قُوادات إلى ولايات، من مشيخات إلى معتمديات.
كانت الثورة شكلاً بلا مضمون.
بورقيبة كان يريد أن يدفن القبيلة، لكنه فعل ذلك بطريقةٍ تجعلها تبقى حيّة تحت الأرض.
قسّم الجنوب إلى ولايات صغيرة كي لا يتّحد، ووزّع قبائل الجلاص والهوارة وأولاد سعيد على ثلاث ولايات لتذويب هويتهم.
كل قرار إداري كان يحمل خلفه نية سياسية: لا جهة يجب أن تملك أكثر من اللازم، ولا قبيلة يجب أن تتذكّر من كانت.
لقد صنع بورقيبة الدولة الحديثة، لكنه صنعها فوق ركام الهويات.
حوّل القبيلة إلى “جهة”، والجهة إلى “هامش”، والهامش إلى صندوق انتخابي.
وهو نفسه الذي قال ذات مرة: “سأجعلهم تونسيين قبل أن يكونوا عربًا أو بربرًا أو قبائل.”
نجح في صناعة الدولة... لكنه فشل في صناعة الانتماء.

النتيجة: جمهورية بلا جذور

اليوم، تونس الحديثة تبدو كأنها خارطة مدنية، لكنها في عمقها خريطة قبائل قديمة أُعيدت صياغتها بالحبر الجمهوري.
كل جهة تحمل في لهجتها، في عاداتها، في تحالفاتها، بقايا ماضٍ قَبَليٍّ لم يُدفن.
من الجنوب حيث ما تزال الذاكرة بدوية، إلى الساحل حيث صارت القبيلة حزبًا، إلى العاصمة التي ورثت عقل المستعمر:
“التحكم لا يكون بالحب... بل بالتقسيم.”
وها نحن اليوم، بعد قرون من “الإصلاحات”، نعيش في دولة ما زالت تحكم بعقل القبيلة.
نبدّل الأسماء فقط: من شيخ إلى والٍ، من قايد إلى مدير عام، من عرش إلى حزب.
لكن الجوهر لم يتغير: تونس ما زالت تتوزع على خطوط دم، لا على خطوط جغرافيا.

بورقيبة و"فرق تسد"... النسخة الوطنية

نعم، كان بورقيبة ابن المدرسة الفرنسية في الإدارة.
آمن أن الدولة القوية لا تقوم على الوحدة بل على السيطرة.
فأعاد إنتاج “فرق تسد” بذكاء: أعطى لكل جهة علمًا صغيرًا ترفعه في المهرجان، وأبقى العلم الأكبر في القصر.
أطفأ القبيلة في الظاهر... لكنه أبقاها في اللاوعي الجمعي.
اليوم، كلما نادت جهة بحقها، نسمع من يرد: "كُفّوا عن الجهوية."
لكن الحقيقة أن الجهوية ليست مرضًا، بل عرض من أعراض التاريخ الذي لم يُحلّ.
إن تونس لن تبني دولة حقيقية إلا حين تتصالح مع خريطتها القبلية، لا حين تنكرها.
فما بُني على الإنكار... لا يعيش طويلًا.

تاريخ الخرائط في تونس: من جغرافيا القبيلة إلى جغرافيا السلطة

في تونس، لم تكن الخرائط يومًا مجرد رسوم على الورق، بل كانت مرايا للسلطة، تُرسم بالحبر حينًا وبالدم أحيانًا.
منذ أن كانت تُعرف بـ”إفريقية”، كانت الأرض تُقسّم لا بحسب الجبال والأنهار، بل بحسب القبائل والنفوذ والولاءات.
كل خريطة كانت وجهًا خفيًا لحكم جديد، وكل تعديل في الحدود كان إعلان حربٍ باردٍ على ذاكرة البلاد.

في القرن الثالث عشر، رسم الجغرافيون العرب أولى خرائط تونس باسم “إفريقية”.
كانت خريطة الإدريسي أول وثيقة تُظهر البلاد لا كدولة بل كنسيج من القبائل والممرات.
الإدريسي لم ير في تونس خطوطًا بل أنسابًا:
هوّارة، زناتة، نفوسة، ورغمة، بني سليم، بني هلال...
كل اسمٍ كان جغرافيا، وكل قبيلة كانت دولة صغيرة تدور حول بئرٍ أو واحة.

لم تكن تلك الخرائط دقيقة من حيث المسافات، لكنها كانت صادقة في الروح.
فالتاريخ لم يكن يسير على الطرقات، بل على ظهور الإبل والقبائل.
كانت “إفريقية” حينها فضاءً مفتوحًا، بلا حدود إلا حدود السيوف والعشائر.

مع قيام الدولة الحسينية سنة 1705، ولدت أول خرائط “سياسية” لتونس.
أحمد باي ومحمد الصادق باي طلبا من مهندسين فرنسيين وإيطاليين رسم ممالكهم.
فكانت خريطة سنة 1856 التي أعدّها المهندس Poujoulat بمثابة شهادة ميلاد تونس الإدارية.

لم تكن الحدود على الورق سوى حدود القُواد.
فيها تُذكر القبائل بدل المدن: المثاليث، أولاد عون، الجلاص، دريد، الكعوب...
كل اسم يرمز إلى سلطة محلية، وكل سلطة كانت فرعًا من شجرة الباي الكبير.
هكذا صارت الخريطة سجلاً للجباية، لا للأرض، وسلاحًا للهيمنة أكثر من كونها أداة إدارة.

في الأرشيف الفرنسي بمدينة نانت، ما تزال تلك الخرائط تحمل طابعًا مذهلاً:
ألوان زاهية لمناطق الولاء، وخطوط سوداء لمناطق التمرّد.
خريطة تُخبرك بمن يحكم الأرض، لا من يسكنها.

حين دخل الفرنسيون تونس سنة 1881، وجدوا البلاد قبائل لا ولايات.
فلم يهدموا النظام القبلي، بل أعادوا ترقيمه.
قسموا البلاد إلى “قُوادات” و“شياخات”، وصنعوا ما عُرف بـ “الخرائط القبلية لتونس” (Cartes Tribales de Tunisie) بين 1883 و1936.

كانت تلك الخرائط تُستخدم في مكاتب المخابرات العسكرية الفرنسية.
كل قبيلة مُلونة بلونٍ يرمز إلى ولائها:
الأخضر للمطيعة، الأحمر للمتمرّدة، والأصفر للمشبوهة.
ولم يكن الأمر جغرافيا بل علم اجتماعٍ استعماريٍّ خالص.

ثم جاءت “خريطة السكان والأعراق” التي قسّمت البلاد حسب الأصل:
عرب، بربر، يهود، طليان.
وبذلك أصبحت تونس أول بلد عربي تُرسم حدوده على أساس عرقي – إداري.
لم تكن تلك الخرائط لتعرّف الأرض، بل لتُقسّمها في الوعي قبل الواقع.

أخطرها كانت خريطة 1932 السرّية التي قُسمت فيها القبائل بين “صديقة” و“عدوّة”،
تُرسل الأولى للحراسة، وتُراقب الثانية من الجوّ.
هكذا، تحوّلت الجغرافيا إلى بوليس، والخريطة إلى عين المستعمر.

بعد الاستقلال، ألغى بورقيبة القُواد والمشايخ سنة 1957، ثم أنشأ أول تقسيم رسمي إلى 13 ولاية.
لكن خلف كل ولاية ظلّ ظلٌّ فرنسيّ طويل.
الخرائط الجديدة كانت تُرسم في وزارة الداخلية بنفس الأقلام التي استُخدمت في الحماية.
أُنشئت ولايات قابس، قفصة، قبلي، مدنين، وتطاوين بطريقة تُذيب القبائل الكبرى،
وتفصل بين الكعوب ودريد، وبين الجلاص والهمامة، حتى لا تتوحّد أي جهة في مواجهة الدولة.
لقد كان بورقيبة، رغم وطنيته، رجل إدارة فرنسية.
آمن بأن الحكم في بلدٍ قبلي لا يكون بالحب بل بالتحكم.
فحوّل نظرية “فرّق تسد” إلى نظام إداري جمهوري:
كل جهة لها نصيبها من السلطة، لكن لا أحد يملك كل شيء.

في الأرشيف الفرنسي والإسباني والتركي، توجد خرائط لم تُنشر حتى اليوم:

“خريطة الطرق والزوايا في تونس” (1912) – تُصنف الزوايا الصوفية حسب ولائها لفرنسا أو العثمانيين.

“خريطة الأراضي المحظورة” (1920) – تحدد المناطق التي مُنع دخول الفرنسيين إليها بسبب المقاومة.

خريطة عثمانية نادرة محفوظة في إسطنبول تُظهر “إيالات تونس” ومناطق نفوذ “الطرابلسيين” و“الشاوية”.
تلك الخرائط ليست مجرد وثائق، بل مفاتيح لفهم الذاكرة الممنوعة.
لأن من يرسم الأرض، يرسم التاريخ أيضًا.

من الإدريسي إلى بورقيبة، كانت الخرائط في تونس مرآة لمن يحكمها، لا لمن يسكنها.
كل خطّ مرسوم هو جرحٌ قديم بين القبيلة والدولة، بين المركز والهامش.
وحتى اليوم، لم تُرسم تونس بأقلامها الخاصة.
ما زلنا نعيش في خرائط الآخرين: فرنسية في الشكل، قبلية في المضمون.
ربما آن الأوان أن نرسم خريطة جديدة،
خريطة لا تُقسّم الأرض، بل تُعيد توحيد الذاكرة.
خريطة تعترف أن تونس كانت ولا تزال أرضًا واحدة...
لكنها كُتبت بلغات كثيرة، وظلت تُقرأ بعيون غيرها.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال