بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الإختراق الأجنبي للدولة التونسية (إختراق الجمعيات التونسية عبر التمويل الأجنبي) الجزء الثاني

2025-11-04 683 قراءة مختلفات سفيان بن الصغير
تمويل الجمعيات من الخارج: فخُّ الهيمنة

- الجمعيات من أجل نشاطها تحتاج إلى التمويل (كراء المقرات، الطباعة، التجهيزات، التنقّل، التظاهرات، الخ)، والأصل أن تكون تمويلاتها محصورة بين معاليم الانخراط، التبرعات، وأرباح الأنشطة (حفلات، مناسبات، الخ). الأصل أن تكون كلُّ التمويلات تونسية المصدر، لكن:

- بعد 14 جانفي 2011 وانهيار المنظومة الأمنية التونسية، استباحت القوى الأجنبية تونس تحت مسمّى "الانتقال الديمقراطي"، وبدأت في استغلال رغبات الجمعيات بالحصول على أكبر قدر من التبرعات (تتجاوز في أحيان كثيرة ملايين الدينارات سنوياً للجمعية الواحدة) للهيمنة عليها.

- القاعدة العامة في الحياة السياسية والاقتصادية والمجتمعية هي: المموّل هو السيد. من يقدّم التمويل يتحكّم في توجيه المشاريع وفي السلوكات السياسية للجمعيات (والنخبة المتنفذة في المجتمع المدني فيما بعد). القوى الأجنبية تسعى لنشر قيمها الخاصة وتحقيق مصالحها في تونس، وتمويلاتها لم ولن تكون من أجل الديمقراطية أو حقوق الإنسان التونسي؛ لأن هذه الشعارات تصلح فقط للاستهلاك الإعلامي ولتبييض صورة القوة الأجنبية في عيون التونسيين، لكن في الحقيقة الهدف النهائي هو ربط الجمعيات، وخاصة القادة والمؤثرين، بتلك القوى الأجنبية وتحويلهم إلى أتباع وتجَنيدهم كعملاء فيما بعد.

- التمويلات السخية جداً تثير الأطماع عادة، وهذا ما خلق موجة وانفجاراً في تكوين الجمعيات (انفجار في عدد الجمعيات حدث بعد 14 جانفي 2011: إذ بينما لم يكن العدد يتجاوز 12 ألف جمعية في 14 جانفي 2011، تحول العدد إلى ما يفوق 24 ألف جمعية في موفى 2022 — تضاعف العدد في ظرف 12 سنة حسب التقريب). لأن العديد من التونسيين لاحظوا أن الجمعية الممولة من الخارج هي مشروع اقتصادي مربح جداً وأسهل من تكوين شركة، والنشاط لا يتطلب سوى إصدار البيانات وتنظيم الندوات واللقاءات والزيارات، والحصول في المقابل على عشرات ومئات الملايين وممکن المليارات مع باقي الامتيازات مثل الدورات التكوينية في الخارج (دورات مشبوهة جداً لأنّه عادةً يتم استقطاب عملاء لأجهزة الاستخبارات الأجنبية في مثل هذه الدورات) والداخل (نُزُل فخمة في أفضل المناطق السياحية)، والأجور الخيالية للمتفرغين (عقود بعشرات آلاف الدينارات).

- القوى الأجنبية عبر التمويل تفرض على الجمعيات ربط شبكة علاقات بالأحزاب، النقابات ووسائل الإعلام تحت مسمّى "تشبيك المجتمع المدني"، وبالتالي تخلق شيئاً فشيئاً نسيجاً سياسياً-إعلامياً-مجتمعياً مرتبطاً بها أشد الارتباط (نهاية التمويل = نهاية الامتيازات) وخاضعاً لأوامرها ومواقفها، جاهزاً للتحرّك ضد الحكومة والدولة التونسية عند الطلب.

- من جهة أخرى، تمويل الأنشطة الجمعياتية والنقابية والإعلامية في تونس يقدم خدمات عظيمة لصورة القوى الأجنبية لدى الجمهور التونسي. إعلان عظيم لأي قوة أجنبية حين تقدّم دعماً لجمعيات حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حقوق الطفل، الديمقراطية، التنمية الريفية، الثقافة، حماية الآثار، حرية الإعلام. التمويلات تخلق رأياً عاماً موالياً ومتعاطفاً مع القوى الأجنبية حتى لو لم يكن مستفيداً منها (القوة الأجنبية تقدّم نفسها كقوة صديقة ومحبة لتونس وكفاعلة خير في المجتمع المدني التونسي).

- عبر خلق نخبة تابعة ورأي عام موالٍ، تصبح القوة الأجنبية ذات نفوذ حقيقي داخل تونس وتستطيع تحريك الشارع وفرض رزنامتها الخاصة للتحولات السياسية والاقتصادية والمجتمعية والأمنية-العسكرية-الدبلوماسية (مثل قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا في 2012).

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال