بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سيكولوجيا المملوك... من رستم إلى دولة المراقبة الحديثة

2025-11-03 827 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في ذاكرة كل أمةٍ خيانةٌ تُشبه الندبة.
وتونس، تلك البلاد التي خُلقت من العرق والدم والتمرد، أنجبت يومًا مخلوقًا اسمه رستم.
لم يكن من أبنائها، لكنه حكم أبناءها.
لم يخرج من رحمها، لكنه كان سوطها.
لم يُقاتل من أجلها، لكنه قاتلها.

في حياة الشعوب دائمًا رجل كهذا: يخرج من الظلّ، من الفقر، من العبودية، ثم يظن أن خلاصه الشخصي خلاص للأمة، فيتحول إلى أداة النظام، إلى الحارس الذي يقتل الحرية باسم الاستقرار.
ورستم لم يكن سوى تجسيد لتلك الخطيئة الأولى: أن يسلّم شعبٌ مصيره لعبدٍ يظن نفسه سيدًا.

القوقاز... مهدُ العبيد لا الأبطال

وُلد رستم في القوقاز، على تخوم الإمبراطوريات القديمة، في منطقة كانت تُصدّر العبيد كما تُصدّر الخيول.
اقتيد إلى شمال إفريقيا في زمنٍ كانت فيه تونس تحت حكم البايات الحسينيين، حيث الدماء تُشترى وتُباع، والرجال يُستوردون كما تُستورد البنادق.
دخل أسواق الرقيق صغيرًا، لا يعرف من الدنيا سوى الخوف.
وهناك، اشتراه الباي ليكون مملوكًا في قصر الباردو، عبدًا يُربَّى على الطاعة، لا على الفكر، على الخدمة، لا على الشرف.

تعلم العربية ليُطيع أوامرها، لا ليكتب بها فكرًا.
تعلم فنون الحرب لا ليقاتل الأعداء، بل ليقمع الناس.
في مدرسة باردو، التي كانت مصنعًا للمماليك، حُقِن رستم في عروق الدولة كجرعة من السمّ المألوف: سمّ الولاء الأعمى.

مشروع نظام... لا مشروع وطن

حين يُربّى الإنسان في حضن القصر، يُولد مشوّهًا بالولاء.
ورستم كان ابنًا لهذا الولاء المريض: وفاؤه للباي، لا للوطن.
طموحه أن يُرضي سيده، لا أن يخدم شعبه.
كان مشروع ضابطٍ مطيع، لكنّ الزمن جعله أداة سلطة مطلقة.
كل معاركه كانت ضد التوانسة، ضد القبائل، ضد الفلاحين، ضد الثورة.

ثورة علي بن غذاهم: حين واجه الريف سوط الباي

عام 1864، انفجرت البلاد كما تنفجر النار في سنابل الجوع.
القبائل في الشمال والجنوب ثارت لأن الجوع صار قانونًا، والظلم صار مهنة.
لم تكن ثورة سياسية، بل ثورة كرامة.
لم يطلب الناس حكمًا، بل عدلًا، ولا قصرًا، بل خبزًا.

لكن الباي، الذي ارتعب من هدير الريف، لم يرَ في أبناء شعبه إلا خطرًا على عرشه.
فاستدعى رستم، ذلك المملوك الذي يعرف القتل ولا يعرف الحوار.

قاد جيوش الباي إلى أعماق البلاد، أحرق القرى، جلد الشيوخ، علق الرجال على الأشجار، ودفن الأطفال في رماد الأكواخ.
كان يرى في الثائر "عاصيًا"، وفي الفقير "خائنًا"، وفي المظلوم "مجرمًا".
لم يسأل: "لماذا ثاروا؟"
بل سأل: "هل انتهوا؟"

هكذا يبرر الجندي القتل حين يُفقد الوطن في داخله، ويُستبدل بالولاء للسيد.
في تلك اللحظة، لم يكن رستم يدافع عن الدولة، بل عن النظام.
وشتّان بين دولةٍ تُبنى على العدل، ونظامٍ يُبنى على الدم.

وزير الحرب الذي لم يعرف الحرب

حين رقّاه الباي إلى وزيرٍ للحرب، لم يكن ذلك لأنه عبقريّ أو مصلح، بل لأنه عبد مطيع، قاسٍ كفاية ليُخيف، خاضع كفاية ليُستخدم.
وهكذا تحوّل العبد إلى وزير، والمملوك إلى قائد، والجلّاد إلى صاحب قرار.

لكنه لم يقُد يومًا حربًا ضد الفرنسيين، لم يواجه غازيًا، لم يرفع راية مقاومة.
كل معاركه كانت ضد الداخل.
كان وزير حرب بلا حرب، وحارس قصرٍ بلا كرامة.
كل بطولاته كانت على أبناء جلدته، وكل انتصاراته كانت على الضعفاء.

إنها لعنة المماليك حين يُنصَّبون حكّامًا: لا يعرفون كيف تُصان الأوطان، لأنهم لم يعرفوا يومًا كيف تُحبّ.

النفاق السياسي: من خير الدين إلى البايات

حين ظهر خير الدين باشا بمشروعه الإصلاحي، التحق به رستم، لا حبًا في الإصلاح، بل رغبة في النفوذ.
تزوج ابنته، بنى قصرًا من أموال الدولة، وتقرّب من الإصلاحيين كما يتقرّب الذئب من الرعاة.
أراد أن يبدو مثقفًا، متمدّنًا، إصلاحيًا، بينما هو في جوهره مجرد عبدٍ متأنّق.

وحين بدأت فرنسا تضغط على البلاد لفرض الحماية، لم يُعارض، بل ساوم وصمت وتهيّأ للهروب.
لم يطلق رصاصة واحدة.
لم يجتمع برجال المقاومة.
بل حين انهارت البلاد، حمل نفسه إلى إسطنبول، وكأن الوطن كان مجرد وظيفة انتهى عقدها.

موت بلا صوت

مات رستم في المنفى عام 1886.
ميتة رمادية بلا تاريخ، بلا جنازة وطنية، بلا دموع ولا قصائد.
لم يذكره الناس، ولم تبكِه تونس.
دفنوه في الغربة كما يُدفن العار: بلا شاهد، بلا وداع، بلا معنى.
وكان ذلك العدالة الوحيدة التي نالها من التاريخ.

دروس الذاكرة: حين يُعيد التاريخ نفسه

تاريخ رستم ليس قصة قديمة، بل مرآة تُعاد كل جيل.
كلما انكسر الشعب، ولد من رماده مملوك جديد، يلبس بزّة الدولة ويتكلم باسم القانون، بينما في جوهره خادمٌ آخر للعرش لا للوطن.

من رستم إلى مماليك الدولة الحديثة، الخط واحد:
وجوه تتغير، والولاء واحد، والسوط نفسه.
إنهم رجال النظام لا رجال الشعب، رجال الأوامر لا رجال الضمير.

رستم فينا اليوم... المملوك الحديث

كل زمن يلد رستمه.
اليوم، حين ننظر إلى المشهد السياسي التونسي، نرى رستم في كل مكان:

كل هؤلاء هم مماليك جدد، لا يلبسون العمامة ولا البزة العثمانية، بل يلبسون ربطات عنق أوروبية ويحملون شعارات الجمهورية.
لكن الجوهر واحد: عبيدٌ باسم الحرية.

الفرق الوحيد أن رستم القديم كان يحمل سيفًا، ورستم الجديد يحمل قانونًا، ميكروفونًا، أو بطاقة مصرفية.
لكن كليهما يؤدي الوظيفة نفسها:
قمعُ الوعي وتجميل القيد.

حين تتحرّر الأجساد وتبقى العقول عبيدًا

الخطر الأكبر على الأوطان ليس المستعمر، بل العبد الذي يحكم بعد تحرّره.
لأن المستعمر ينهب الأرض، أما العبد المتسلّط فينهب الروح.
ورستم كان أول نموذج لذلك: عبدٌ تحرّر جسده، لكن عبوديته انتقلت من سيدٍ إلى عرش.
وما أكثر الرستميين اليوم الذين يقتلون الثورة باسم الدولة، ويخنقون الحرية باسم القانون.

من يملك ذاكرة لا يُخدع

التاريخ لا يرحم ولا ينسى.
قد تُصنع التماثيل، وقد تُروى الأكاذيب، لكن ذاكرة الشعوب تظلّ حادّة كالسيف.
ورستم، في نهايته، سقط من الذاكرة لأنه لم يكن ابنًا لها.
هو تذكير دائم بأن من يُربّى على الخوف لا يمكن أن يصنع حرية،
وأن من يعيش عبدًا للنظام سيموت غريبًا عن الوطن.

رستم هو فكرة، لا شخص.
فاحذروا حين يتكاثر المماليك في ثياب جديدة، وحين يصبح الولاء أعلى من الوعي، وحين تصير الدولة سجّانًا والشعب متهمًا.
فحينها... نكون قد دخلنا عصر الرستمية الجديدة
عصر العبيد المتأنّقين الذين يبيعون البلاد باسم النظام ويشربون نخبها باسم “الاستقرار”.

سيكولوجيا المملوك... من رستم إلى دولة المراقبة الحديثة

في علم النفس السياسي، المملوك ليس مجرد عبدٍ في القصر، بل عقدة جماعية تولد من رحم الخوف وتعيش في ذاكرة الأمم.
رستم لم يكن شخصًا، بل حالة نفسية جماعية أفرزتها قرون من الاستبداد، حيث تماهى العبد مع سيده، والمقهور مع جلاده، حتى صارت العبودية فكرةً متوارثة داخل بنية الدولة نفسها.

حين تحوّلت تونس من بايٍ إلى رئيس، لم يتحرّر المملوك، بل بدّل سيده.
من القصر الحسيني إلى قصر قرطاج، ومن فرمان السلطان إلى مرسوم الجمهورية، ظلّ منطق المملوك هو الحاكم: الطاعة مقابل البقاء، الولاء مقابل المنصب، الصمت مقابل الأمان.

لم يكن بورقيبة، رغم عبقريته، إلا صانع مماليك جدد بثوب وطني.
ربّى حوله نخبةً لا تفكر، بل تبرّر، لا تعارض، بل تُمجّد.
حوّل الشعب من رعايا البايات إلى رعايا الدولة الحديثة، خاضعين لشعار "الدولة فوق الجميع"، وكأنها إله جديد في معبد الجمهورية.

ثم جاء بن علي، فحوّل المملوكية إلى نظام إداري محكم.
صارت الأجهزة الأمنية امتدادًا نفسانيًا لعقل رستم: لا تسأل "لماذا؟"، بل "لمن الأوامر؟".
أصبح المواطن متهمًا حتى يثبت ولاؤه، والإعلام لسانًا للسلطة، والبيروقراطية سورًا عازلًا بين الدولة وشعبها.

وحين اندلعت ثورة 2011، لم تكن فقط ضد الاستبداد السياسي، بل ضد ثقافة المماليك المتوارثة.
كانت صرخةً في وجه كل رستم يسكننا: في المسؤول الذي يخاف الحرية، في المواطن الذي يطلب الحاكم بدل أن يطلب العدالة، في النخبة التي تبرر القمع بحجة “حماية الدولة”.

لكن بعد الثورة، عاد المملوك من جديد... أكثر أناقة، أكثر إعلامًا، وأكثر حداثة.
يحمل شعارات الجمهورية، لكنه يُديرها بعقلية الباي.
يتحدث عن الشعب، لكنه يحتقره في سره.
ينادي بالسيادة، لكنه يوقّع اتفاقيات التبعية في غرف مغلقة.
ذاك هو رستم : المملوك ، الذي باع البلاد لا بخنجرٍ، بل بملفٍ ديبلوماسي وخطابٍ وطني مزيف.

الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع من داخل النفس قبل أن تُنتزع من يد الحاكم.
وما لم يتحرّر التونسي من فكرة "الحاكم الأب"، ومن وهم أن الدولة تعرف مصلحته أكثر منه،
فإن رستم سيظلّ يولد كل جيلٍ بثوبٍ جديد، يحمل ختم القصر وابتسامة المملوك.

إننا لا نعيش ما بعد الثورة، بل ما بعد المملوك.
وتلك المرحلة الأخطر، لأن الطغاة يمكن إسقاطهم،
أما المماليك فيسكنون المؤسسات، المدارس، الإدارات، وحتى الضمائر.

الدرس الأخير:
حين يصبح الخوف ثقافة، والمجد وظيفة، والولاء فضيلة،
تُخلق أمة من الركوع، لا من المواطنين.
وتونس اليوم، بين ذاكرة الثورة وواقع المماليك،
تعيش سؤالها الوجودي:
هل تريد أن تكون دولة أحرار… أم قصراً جديداً لرستم آخر؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال