بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

محمود قابادو

2025-11-03 918 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في تونس القرن التاسع عشر، حيث كانت الشمس تُشرق على مآذن ساكنة، وتغيب على باياتٍ يوقّعون الأوامر باسم السلطان العثماني، وُلد محمود قابادو عام 1815. خرج إلى الدنيا في زمنٍ يشبه بلاده: جميل المظهر، متصدّع الجوهر. زمنٌ يختلط فيه الفقه بالسياسة، والعطر بالعرق، والتصوف بالخوف.

كان من نسل أندلسيين هاربين من محاكم التفتيش إلى رحم الزيتونة، جاؤوا حاملين معهم ذاكرة السيوف والكتب. في تلك الجوامع، حيث تختلط التلاوة بالجدل، تربّى قابادو على الفقه واللغة والمنطق، ثم على الحيرة: هل الدين خلاص الروح أم قيدُ العقل؟

قابادو… حين استيقظ الفقيه في المرآة

قرأ القرآن صغيرًا، وشرب الفقه حتى التخمّر، ثم نظر إلى السماء وسأل: «وأين موقع العقل من هذه الخريطة؟». علّمه الشيخ إبراهيم الرياحي أن الشيخ الحقيقي لا يسكن الزوايا، بل يطلّ من نوافذ الفلك والهندسة والنجوم. ثم شدّ رحاله إلى إسطنبول، قلب الإمبراطورية التي كانت تموت واقفةً. هناك، رأى جنودًا عثمانيين يدرسون نيوتن، وسمع مؤذنين يرفعون الأذان من فوق الثكنات. ففهم أن النهضة ليست في الدعاء، بل في الدرس.

عاد إلى تونس لا كما ذهب. عاد وهو يرى أن الإصلاح لا يُبنى بالأذكار، بل بالمدافع والمدارس. وأن الله لا يُرضى بالجهل، مهما طال السجود.

قابادو في المدرسة الحربية… الشيخ الذي درّس الجنود التفكير

حين أسّس أحمد باي المدرسة الحربية بالباردو، استدعاه ليُدرّس اللغة والفكر لطلاب المدافع. فوقف الشيخ بلحيته البيضاء بين صفوف الجنود، يشرح الفرق بين «العقل والمدفع»، وبين «الشريعة والتقدّم». كتب مقدمة لكتاب «فن الحرب» للبارون جوميني، فكانت أول صرخة فكرية في زمن الهمس: الإسلام لا يعادي العلم… المسلمون هم من خانوه بالخوف.

لكن قابادو لم يكن ثائرًا، بل إصلاحيًّا مدجّنًا. لم يخرج على السلطة، بل تذاكى عليها بالكتب. كتب عن الحرية، لكنه لم يتلفّظ بكلمة «استبداد». دعا إلى الدستور، ثم صمت حين ألغاه الباي. صمته ذكيّ أم جبان؟ لا أحد يعرف. لكنه صمت، وتلك كانت جريمته الكبرى.

بين الحداثة والطاعة

كان يؤمن أن العدل أساس الدولة، لكنه لم يحسم لمن يكون العدل: لله أم للباي؟ أراد أن يُصلح من الداخل، أن يُقنع السلطة بالعقل لا بالعصيان، أن يجعل الإصلاح فريضة لا ثورة. لكنه نسي أن الأنظمة لا تُصلح، بل تُستبدل.

تلاميذه كانوا نخبة تونس اللاحقة: خير الدين، رستم، حسين… وزراء وقادة وجنرالات. قبّلوا يده صباحًا، ووقّعوا اتفاقيات الديون مساءً. تعلّموا منه أن التقدّم علمٌ وإرادة، لكنهم وضعوه تحت وصاية السلطان. فكان قابادو أستاذهم… وورطتهم أيضًا.

قابادو الشاعر… بين التصوف والعقل

في الشعر، كان شيخًا عقلانيًا، لا يتغزّل بالنساء بل بالأفكار. قصيدته صلاة للوعي، لا للهوى. كتب عن خوفه من الغد، وعن أمةٍ تمشي نحو العدم. كان يرى في التصوف ملاذًا من عفن السياسة، لا هروبًا من العالم. شيخٌ يصلي بعينٍ على الغيب، وأخرى على أوروبا.

كان يقول في سرّه: “من أراد أن يعبد الله حقًا، فليتعلم الفيزياء.”

وجهه الآخر…

لكن التاريخ لا يكتب بالمداد فقط. كان لقابادو وجوه أخرى. قال بعض معاصريه إنه جُنّ ذات يوم ومشى عاريًا في شوارع تونس، لا احتجاجًا، بل تطهيرًا من الزيف. وقال آخرون إنه باع روحه للبايات، وإنه كان خطيبًا بلسانين: واحد للشعب، وآخر للقصر. والأسوأ أنه سكت حين خرج علي بن غذاهم يصرخ باسم الجياع، وسكت حين أطلقت المدافع على أبناء الوطن. صمت الشيخ في لحظة الوجع، فخسرت الأمة فقيهها النبيل.

قابادو… الإصلاح الناقص

قابادو هو صورة تونس في مرآتها: عقلٌ يتمنى النهوض، وجسدٌ يخاف الحركة. كان فقيهًا بنصف تمرّد، وثائرًا بنصف قلب. علّم الناس أن التقدم لا يناقض الإيمان، لكنه لم يعلمهم أن الإيمان لا يحمي من الطغيان. ترك حبرًا لا دمًا، ومقالات لا نارًا.
هو معلّم النهضة، لا مهندس الثورة.
هو رسول التنوير، لا قائد التحرّر.
هو البداية الجميلة التي انتهت بصمتٍ نبيلٍ ومؤلم.

من قابادو نتعلّم أن الإصلاح من داخل السلطة يشبه الكتابة من داخل السجن: أنيقٌ… لكنه بلا صوت.
وأن الفقيه الذي يطلب رضا السلطان، لا يغيّر قدر الأمة، بل يفسّره.
تونس احتاجت يومها إلى مجنونٍ لا إلى حكيم، إلى ثائرٍ لا إلى فقيه.

قابادو يعود من الرماد:
حين يتكرر التاريخ بعمامة جديدة وبدلة مستوردة

يبدو أن محمود قابادو لم يمت. لقد عاد ولكن بثيابٍ مدنية هذه المرّة.
عاد في صورة المثقّف المتردد، والعالم المهادن، والخبير الذي يتكلم لغة البنوك لا لغة الشعوب.
عاد لأننا لم ندفنه يومًا… فقط استبدلنا عمامته بربطة عنق، ومدرسته الحربية بمكاتب المنظمات، وكتبه بأوراق الإصلاح الهيكلي.

في تونس اليوم، كما في القرن التاسع عشر، ما زالت الدولة تقف على الحافة بين الفقه والحداثة، بين العقل والخوف.
ما زال الإصلاح شعارًا بلا ثمن، والتعليم ترفًا بلا روح، والعقل العربي يُرَبَّى على الطاعة أكثر مما يُرَبَّى على السؤال.

تونس اليوم… نسخة رقمية من دولة البايات

تغيّر الباي، لكن القصر ما زال نفسه.
تغيّر المرسوم، لكن الطاعة هي ذاتها.
تغيّر الشيخ، لكن الخوف نفسه يقطن العقول ذاتها.
كلّ جيلٍ في تونس ينتج قابادوه الخاص: مثقفًا يكتب للإصلاح، ويخاف من الثورة. يهاجم الفساد في المقالات، ويصافح الفاسدين في المؤتمرات.
يحلم بالدستور، وينام على وقع المراسيم.

في زمن قابادو، كان الباي يُقرِّر مصير البلاد بأمر من إسطنبول.
أما اليوم، فمصير البلاد يُرسم في مكاتب واشنطن وبروكسل وباريس.
الفرق الوحيد أنّ الفتوى استُبدلت بتقرير مالي، وأنّ “فرمان السلطان” صار اسمه “اتفاق قرض”.

قابادو القرن الحادي والعشرين

قابادو اليوم هو ذلك المفكر الذي يكتب عن “النهضة” في الصحف بينما يتقاضى راتبه من مراكز تموّلها نفس القوى التي خرّبت الفكرة.
هو الأستاذ الجامعي الذي يُدرّس الفكر النقدي، ثم يصمت حين يُهان الطلاب.
هو الشيخ الذي يدعو للحرية من فوق منبرٍ مرخّص له من وزارة الداخلية.
هو السياسي الذي يرفع شعار المقاومة وهو يسافر في الدرجة الأولى إلى عواصم المانحين.

كأنّ روح قابادو ترفرف فوق كل من يعتقد أن الإصلاح يمكن أن يكون بلا كلفة، وأن الحرية يمكن أن تُكتب بلغة الوداعة.

من قابادو إلى الجيل الضائع

الشباب الذين يمشون اليوم في الشوارع بلا أمل، هم أبناء التناقض الذي أنجبه قابادو:
جيلٌ تربّى على الشعارات، لا على الفعل.
جيلٌ يُعجب بالمفكرين، ولا يقرأهم.
جيلٌ يُصفّق للثورة، لكنه يخاف من صوتها.

لقد ورثنا عنه مدرسة «الإصلاح من الداخل» حتى تحوّلت إلى فلسفة جبن جماعي:
نكتب، نحتج بالكلمات، نتظاهر على الفيسبوك، ثم نعود إلى الصمت المريح.

تونس... البلاد التي لم تتعلم من قابادو

ما زلنا نعيش في جمهورية “الاعتدال”: ننتقد الاستبداد بأدب، ونخاف من الحرية بحذر.
نحتفل بالمثقفين الذين لا يُزعجون أحدًا، ونخاف من المفكرين الذين يقولون الحقيقة حتى النهاية.
نُقيم الندوات عن الإصلاح، لكننا لا نُصلح شيئًا.

كأنّ قابادو ما زال بيننا، يبتسم بخجلٍ من خلف سبورة التاريخ، ويرى أبناءه يكرّرون خطأه نفسه:
يُحاولون إرضاء السلطة والعقل في آنٍ واحد، فيفشلون في كليهما.

الإصلاح لا يولد من داخل القصور، بل من الشوارع.
والفكر لا يعيش في الندوات، بل في لحظة المواجهة.
والشيخ الذي يخاف أن يُقال عنه “متمرّد” لا يصنع نهضة، بل يُكرّس الركود.

نحتاج اليوم إلى “قابادو جديد” بلا باي، بلا سلطان، بلا تردّد.
قابادو يحمل كتابًا في يد، وحجرًا في الأخرى.
يُصلح الدولة لا بالكلمات، بل بالأسئلة التي تُقلق الحكّام.

لعلّ تونس، بعد قرنين من ولادة قابادو، قد حان لها أن تُولد من جديد.
لكن بشرطٍ واحد: أن لا ندفن السؤال تحت فتوى، ولا نؤجل الثورة باسم الإصلاح.

الشعب بين زمن القابادو واليوم:
من رعايا البايات إلى رعايا الدولة

لم يكن قابادو وحده يعيش الحيرة، بل كانت البلاد كلها حائرة، والشعب معها.
في زمنه، كان التونسي يعيش بين خوفين: خوف من الله، وخوف من الباي.
في النهار يركع للسلطة، وفي الليل يطلب الغفران منها.
كان الناس راضين بقدرٍ من الفقر، ومستسلمين لمشيئةٍ اسمها "الأمر العالي".
تونس يومها لم تكن وطنًا، بل إقطاعًا منقسمًا بين المسجد والقصر.
الفلاح يزرع الزيتون، والباي يقطف العشر.
العالم يدرّس الفقه، والمماليك يحكمون باسم السلطان.
كان الشعب يُحبّ العلماء لأنهم يذكّرونه بالجنة، ويخاف من البايات لأنهم يذكّرونه بالنار.

كانت البلاد تمشي على رؤوس أصابعها.
لم تكن الثورة ممكنة، لأن الخوف كان يُتلى كآية، والطاعة كانت تُعلَّم في الكتاتيب.
الشعب التونسي زمن قابادو لم يكن غبيًّا… بل كان مروضًا.
تعلّم أن يعيش في الظل، أن ينجو بالصمت، وأن يُقنع نفسه أن القدر هو السياسة، وأن الرزق أهم من الحرية.

واليوم…

تغيّرت المظاهر، لكن الروح هي ذاتها.
الشعب ما زال متدينًا بالحنين، متعبًا باليوم، خائفًا من الغد.
السلطة تغيّرت وجوهها، لكن الخوف لم يغيّر مكانه في القلوب.
صار المواطن يتكلم لغة جديدة، لكنه يحمل داخل رأسه قاموسًا قديمًا.
يشتكي من الأسعار لا من الاستبداد، ينتقد السياسيين لكنه يطيعهم في الانتخابات، يصرخ في الفضاء الرقمي ويسكت في الشارع الحقيقي.

الشعب اليوم أكثر تعليمًا، لكنه أقل وعيًا.
يملك الحرية، لكنه لا يعرف ماذا يفعل بها.
يقف في الطوابير، يلعن الفساد، ثم يصوّت للفاسدين.
كأنّ قابادو ما زال يُدرّس لنا درسه الأخير: أن الإصلاح لا يولد في القصور ولا في الجوامع، بل في ضمير الشعب، إن استيقظ.

من الرعية إلى المواطن… رحلة لم تكتمل

في القرن التاسع عشر، كان التونسي “رعية” للباي.
في القرن الحادي والعشرين، صار “مواطنًا” في الأوراق فقط.
بين الرعية والمواطن، مرّ قرنان من التعليم والتحديث والدساتير، لكن شيئًا في الداخل لم يتغيّر.
لا تزال الطاعة تُعلّم في البيوت، والخوف يُتوارث في الجينات.
تغيّرت أدوات السيطرة: بدل السوط صار القرض، وبدل الباي صار البنك، وبدل الفرمان صارت المنصة الرقمية.

تغيّر جلد الشعب، لكن لم يتغيّر جلده الداخلي.
ما زال ينتظر من يُخلّصه، لا من يُحرّره.
ينتظر “المصلح”، “الزعيم”، “المنقذ”، “المرشح المستقل”...
وكأنه ما زال يفتّش عن قابادو جديد، ينقذه من نفسه.

النهاية المؤقتة

الشعب الذي أنجب قابادو لم يتغيّر كثيرًا، فقط استبدل عباءته بقميص عصري، وصمته بثرثرة رقمية.
هو الشعب نفسه: ذكيّ بالفطرة، خانع بالعُرف، متناقض في كل شيء.
يؤمن بالعقل ويعبد العادة.
يحتقر الفساد، ويصوّت له.
يريد الحرية، ويخاف منها.

في زمن القابادو، كان التونسي يقول: “الباي هو الله في الأرض.”
وفي زمننا، يقول: “الدولة تعرف ما تفعل.”
العبارة نفسها… فقط تغير الاسم.

ولعلّ السؤال الأخير الذي يهمس به التاريخ لنا جميعًا:
إذا كان قابادو قد فشل في إصلاح الباي، فهل يمكن لأحفاده أن يُصلحوا الشعب؟
أم أننا أمة تتقن تأجيل نهضتها حتى إشعارٍ آخر؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال