بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الإختراق الأجنبي للدولة التونسية- (إختراق الجمعيات التونسية عبر التمويل الأجنبي) -الجزء الاول

2025-11-01 933 قراءة مقالات بحوث سفيان بن الصغير
مقدمة : الإختراق والتحكم الناعم في الدولة التونسية من القرن 19 إلى القرن 21

- القرن 19 يسمى عادة القرن العصيب في تاريخ تونس لأن الدولة التونسية مرت بفترات ضعف شديد أدت لاحتلالها و استعمارها في ما بعد . في مؤتمر برلين سنة 1878 المستشار الألماني بسمارك خاطب وزير الخارجية الفرنسي قائلا " ان الاجاصة التونسية قد نضجت و حان وقت قطافها".

- المشروع الفرنسي لاحتلال تونس ( و لكل الشمال الإفريقي ) ابتدأ منذ اول القرن حيث وضعت أول خطة للانزال العسكري في الساحل الافريقي ( تونس-الجزائر) في سنة 1800 و من لحظتها إلى سنة 1881 قامت السياسة الفرنسية بانضاج الوضع التونسي شيئا فشيئا لإضعاف المقاومة التونسية من الداخل حين تحين لحظة الهجوم العسكري.

- تغلغل النفوذ الفرنسي بصفة عامة في تونس و توصل شيئا فشيئا إلى التحكم في القرارات الكبرى و القوانين ( مثل عهد الأمان ) بل و بلغت العلاقات بين القناصل الفرنسي و النخب التونسية ( سياسية ,مجتمعية و حتى دينية ) مستويات غير عادية من التقارب و تجنس عدد من الوزراء بالجنسية الفرنسية ( مثل محمود بن عياد وزير المالية ) و كان لفرنسا التاثير الثقافي و الحضاري و التعليمي الأبرز في تونس مقابل باقي القوى الاوروبية.

- السياسة الأوروبية وخاصة الفرنسية في القرن 19 اتجهت نحو اختراق النخب التونسية بصفة عامة و الهيمنة عليها و تحويلها لنخب موالية لها تمهيدا للسيطرة التامة فيما بعد و تسابقت القوى الاوروبية الثلاث ( الفرنسية-الايطالية والانقليزية ) لتجنيد الاتباع وسط حاشية الباي ,الوزراء ,الاعيان و حتى الائمة و شيوخ الطرق الصوفية.

- حين عزمت الحكومة الفرنسية على احتلال تونس في 1881 انحصرت المقاومة في القبائل و مدينتي صفاقس و قابس في حين استسلمت حكومة الباي ( باستثناء محمد العربي زروق الذي رفض الاستسلام )، استسلم الاعيان في غالبية المدن، استسلمت غالبية إطارات الدولة المدنية والعسكرية ( هناك من رفض الاستسلام من القياد مثل "علي بن خليفة النفاتي " و العسكريين مثل الرقيب-الشهيد ساسي سويلم )، لم يعلن المجلس الشرعي إلزامية الجهاد ولم تقاوم الطرق الصوفية بل ساند "قدور الميزوني " شيخ الزاوية القادرية بالكاف فرنسا وأعلن أن احتلالها لتونس هو قدر إلاهي.

- لقد أثمرت سياسة الاختراق للنخبة في القرن 19 نتائجا عملاقة حيث انها حققت شيئا فشيئا الأهداف الفرنسية ( و الاوروبية) و مكنت من التغلغل السياسي,الاقتصادي ,المالي ( عبر القروض) و اصطنعت العديد من العملاء وسط اجهزة الدولة مما سهل عملية الاحتلال و الاستعمار فيما بعد لدرجة كبيرة ( رغم المقاومة البطولية للقبائل و لمدينتي صفاقس و قابس).

- لقد ثبت لكل القوى الكبرى ان فرض السياسات,القيم والمصالح بالقوة العسكرية المباشرة هوا مكلف جدا عسكريا ,ماديا و سياسيا و تنتج عليه حركات مقاومة مستمرة و منهكة للدولة مهما كانت قوتها ( تجربة حربي الفيتنام و أفغانستان ) و لذا من القرن 19 بدأت القوى الكبرى ( فرنسا ,بريطانيا ,امريكا ,روسيا و حتى المانيا ,ايطاليا ) بالتخطيط للتحكم الناعم في الامم ,الدول والشعوب عبر اختراقها سياسيا-ثقافيا ,مجتمعيا و حتى دينيا.

- منذ النصف الثاني للقرن 20 ( بعد الحرب العالمية الثانية ) وظهور الصراع العقائدي الروسي-الأمريكي ( الماركسية ضد الليبرالية) تبين ان مد النفوذ السياسي-العسكري مرهون بمد النفوذ الفكري-الثقافي و الإعلامي في المجال و لذا تسابقت كل القوى الكبرى في تمويل مؤسسات او "منظمات غير حكومية " تكون اهدفها المعلنة ذات طابع سياسي-مجتماعي-مدني-حقوقي او ديني نبيل من الخارج و لكنها تعمل في الحقيقة على بث خطاب و فكر موالي و تكوين نخب تابعة فكريا و سياسيا في البلد المستهدف.

- حاليا كل دولة تريد التأثير في باقي العالم بنجاعة ودون استخدام القوة ( او التهديد باستعمالها) تمول مجموعة مؤسسات -جمعيات او منظمات غير حكومية تعمل في مجالات متعددة ( خيرية ,اسعافية ,رياضية ,حقوقية ,دينية ,ثقافية ,اقتصادية ,نسوية الخ ) تنشر فكرها ,قيمها و تمكن نفوذها في نفسية الجمهور و النخبة الذين يتحولون شيئا فشيئا لفئات داعمة لها و موالية لها حتى على حساب الامة ,الدولة و الوطن.

- هناك جانب فكري وعاطفي في أي مواجهة وخاصة المواجهات السياسية و تحييد جزء من الرأي العام لدى الخصم او السيطرة عليه عامل مفيد جدا في الانتصار و لذا فإن كل جيوش الدول القوية تجهزت باقسام للحرب النفسية منذ بداية القرن 20 و كل اجهزة استعلامات القوى الراغبة في الهيمنة تقوم بتكوين أذرع اعلامية ,جمعياتية ,نقابية , حزبية أو دينية في اي مكان في العالم تستطيع ذلك.

- في المجتمع التونسي للقرن 19 كانت النخبة تتكون من : الحاشية ,اطارت الدولة المدنية و العسكرية,اساتذة جامع الزيتونة ,القضاة ,العدول ,الائمة ,الفقهاء,المفاتي,شيوخ الطرق الصوفية و اعيان التجار ,الفلاحة و الحرفيين و السياسة الفرنسية والأوروبية عموما حاولت اختراقهم بطرق متعددة .في القرن 21 النخبة تتكون من : إطارات الدولة ,الحزبيين ,النقابيين ,الجمعياتيين ,الاعلاميين ,رجال الاعمال ( صناعة ,تجارة ,فلاحة ,بنوك ,سياحة ,عقارات الخ ) ,الفنانين ,أساتذة الجامعات ,المفكرين و هؤلاء ينتظمون غالبا في ما يسمى بالمجتمع المدني و هذا بالضبط ما يقع اختراقه عبر تمويله.

- مثال على هذا في القرن 19 توصلت القوى الأجنبية ( فرنسا ,ايطاليا و بريطانيا ) عبر الضغوط و الاختراقات إلى سن قانون "عهد الأمان " الذي منح الأجانب في تونس نفس حقوق التونسيين و خاصة حق ملكية الأراضي و مهد للاستعمار الفلاحي في ما بعد.
و في القرن 21 توصلت القوى الاجنبية ( امريكية ,اوروبية و قطرية-تركية ) انها تفرض سن قانون "الميز العنصري " ( قانون عدد 50 لسنة 2018 ) الذي تحول إلى سيف مسلط على الدولة وعموم التونسيين اذا قرروا مواجهة مشروع الاستيطان الاجصي بتونس.

- عبر الشعارات الحقوقية و الديمقراطية تحاول القوى الاجنبية من القرن 19 تفكيك الدولة التونسية و تشتيت السلط و اضعاف الحكومة وخلق مراكز نفوذ عند الاحزاب ,الجمعيات ,والنقابات ووسائل الإعلام و بالتالي تكوين جيوش سياسية-اعلامية و اجتماعية تابعة يقع استخدامها ضد الدولة الوطنية في حالة مواجهة و التدخل لفائدتها من بعد بحجة حماية الديمقراطية و حقوق الانسان.

- تبين للقوى الأجنبية عبر تجربة قرنين انه من الاسهل لهم التحكم في الدولة التونسية بنعومة من داخلها عبر الاختراق السياسي-المجتماعي و الديني عوض الضغط بالقوة العسكرية او الاحتلال المباشر و لذا وقع اعتماد هاته الخطة و ضح مئات المليارات في تونس منذ 2011 بحجة دعم المجتمع المدني و الانتقال الديمقراطي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال